والثاني:
عندما اشترت أمي "روج"
اعتدت أن أصحب أمي كل شهر إلى السوق في موعده الثابت، الذي تُحضر فيه احتياجاتها الخاصة الشخصية، من المبلغ الزهيد الذي اعتاد أبي أن يُخصِّصه لها وحدها لتبتاع ما تشاء رغم قلة راتبه، لا أذكر بالضبط ما هي الأشياء التي كانت أمي تشتريها، لكنها كانت غالباً قطعة إكسسوار لها، أو زجاجة عطر لأبي، وأحياناً تحفة منزلية، أو أداة للمطبخ، أو حتى ملابس لنا لم تستطع مقاومتها فاختارتها متجاهلة احتياجاتها هي، لكن ما أذكره جيداً أن أمي كانت كل مرة تمرّ على محلّ أدوات التجميل لتشتري مجموعة من الزيوت والدهون المفيدة للعضلات والجلد من أجل جدتي التي كانت تسكن معنا، وتُدلِّكها باستخدامها بنفسها طوال الشهر..
لم تطلب جدتي ذلك من أمي يوماً، لكنّها كانت تتهلّل عندما تراها وهي تدخل المنزل، وتضحك عيناها عندما تقعان على يدها والكيس الذي يحمل شعار المتجر، ولم يُلزِم أبي أمي برعاية أمه على حسابها، لكنها كانت تفعلُه اختياراً خالصاً، وبرضىً تام، وقناعة مطلقة، حتى جعلَته إحساناً فرضاً على نفسها، ومهما كان ما تريد شراءه، فإنها تحرص على أن يكون الباقي من ثمنه يكفي لحُصة جدتي، وأصبح وجهي مألوفاً لصاحب المحل حتى صار يخصص لي قطعة حلوى موعدَ كل زيارة..
كانت عادة أمي تلك مساراً اتبعتُه دون إحساس مني، ودليلاً قادني نحو فضاء رحب من العطاء، وتعلّمتُ أنه دائماً -مهما ضاقت الفسحات-هناك متسّعٌ للأحبة. كانت العلاقة بين أمي وجدتي غريبة وفريدة؛ أشبه بعلاقة حبيب بحبيبه في القرب، وفهم النظرة والإشارة، والإحساس دون النطق، وحوارات الملامح بين الوجوه، وأشبه بعلاقة معلّم صارم بتلميذه في الاحترام، وتقدير المقام، وحساب الكلمات، وتقديس النصيحة، وأشبه بعلاقة خادم بسيده في الخوف والرهبة، واجتهاد التحسين، والخوف من شبهة التقصير، وكان الكلام في هذه العلاقة الغامضة العجيبة معدوداً محدوداً يكاد يكون معدوماً، لكنها هي ذاتها العلاقة التي جعلت أبي -على ضنكه- أسعد الناس و-على فقره- أغناهم!
أما أنا فلم أكن أفكر بنوع العلاقة بيني وبين جدتي، بل اكتفيت منها بابتسامة، ومداعبة شعري قبل النوم يومياً، ودراهم معدودة، وسيل من الدعوات.. لكنني قررت أن أقدّم عربون ولاء يلحقني بركب العطاء، لأكون مثل أمي، وأصبحت عادتي اليومية أن أنتقي لها زهرة من قطعة مزهرة في طريق عودتي من المدرسة، وكانت تلك البقعة من الحشائش البعلية التي تزينها زهور مختلفة الشكل حسب الموسم، وحيدة وسط تراب المنطقة الأجرد المغبر المليء بالحصى، كنت أراها تبدو كموقع جدتي تماماً وسط زحام هذه الحياة، فتغمرني فرحة كالربيع عندما أعود منها بزهرة لا يعنيني لونها ولا رائحتها ولا نوعها، حتى إنني عدت مرات عدة بزهور غريبة وأحياناً مخيفة وأحياناً مضحكة.. المهم أنني كنت أرى على وجه جدتي تلك التعابير ذاتها التي كنت أراها عند عودة أمي من السوق حاملة ذلك الكيس.
ذات يوم، وبعد عدة سنوات من زهوري العجيبة، ومن عادة أمي مع جدتي تلك، ومن علاقتهما تلك، ومن الراتب الذي يراوح مكانه، وغلاء المعيشة المتصاعد باطراد، كانت أمي قد قرّرت أن تشتري لنفسها هذه المرة أدوات تجميل من ذات المحل، وعندما اختارت أمي مستحضراتها، ومستحضرات جدتي المعتادة، تفاجأت بالثمن الذي تخطّى حدود نقودها، كانت تتمنّى شراء ذلك "الروج" حديثَ المنشإ ذائعَ الصيت، وتنتظر تلك الفرصة طوال الشهر، شعرت أمي بالخيبة، والغصة، والسخرية في نفس الوقت: "كيف لا يمكنني أن أختار ما أحتاج وأنا التي أمتهن الإحسان والإيثار للجميع؟ كيف يمكن للظروف أن تكون أنانية إلى هذا الحد؟ هل ستتقبل حماتي الفُسحة التي تجرأت على منحها لنفسي بعد كل تلك السنين من التضحية التي لم أتلقَ مقابلها كلمة شكر؟ كيف للبشر أن يكونوا قُساةً إلى هذا الحد؟"..
وجدت نفسها لأول مرة تناقش الفكرة لا الحالة، تشُكّ في المبدأ لا الموقف، وتراجع ثبات القرار، وليس وقتِيّة الظرف.. شعر البائع بالإحراج وهو ينتظر أن تقرر أمي، فقرر أن يعطيها نصيحة تُخلصها من حيرتها: " خلص بلاش الروج"، شعرت أمي بالغيظ، وبالإهانة، كأن كل العالم يُنكر عليها حق نفسها، حتى هذا البائع المتطفّل، وفي لحظة سَخط اتخذت قرارها، ورمقته بنظرة زادته إحراجاً، فانشغل ببعض الترتيبات، وبعد لحظة تجرأت أخيراً على النطق بالحكم الذي يقضي بأنها ستشتري الروج، وتتنازل عن مجموعة جدتي.
خرجنا من المحل، وقد وضعَت الكيس في حقيبتها ولم تحمله بيدها، وعندما سألتُها: "وين حاجات تيتا"، ردت بصرامة: "المرة الجاية". فكرت في نفسي بتلك العبارة التي تعني رخصة ذهبية من ذلك الفرض، وفرصة للتّحلُل من ثوب الإيثار والسخاء، وفتحَت أمامي مكاناً أُنمّي فيه حظ نفسي، وأحاول أن أملأه بأية غنيمة من اهتمام، حتى لو لم أجد لها هدفاً أو دافعاً أو سبيل، وقلت في نفسي: لعلّي اقتنص الزهرة لنفسي يوماً، وأُأَجّل جدتي لـ "المرة الجاية". عندما دخلنا المنزل، كانت جدّتي تراقب أمي ولم تلحظ الكيس المعتاد، فاعتلت وجهها ملامح الإحباط، وانكفأت على نفسها فجأة.
كانت أمي تشعر بالرضا، وبالخجل أيضاً، فتحاشت النظر المباشر إليها أو الحديث المباشر معها، وأعلنت بدءَها بتحضير الغداء قبل وصول أبي، كانت أمي تعد الطعام وهي تصارع الحرب الدائرة داخل نفسها، ترى نفسها شيطانة تارة، وتُجبر عقلها على تقبل أنها إنسانة تارة أخرى، تجلد نفسها لإساءتها الأدب، ثم تُهدِئ من روعها أنها لم تفعل شيئاً إطلاقاً! وبعد أن هدأَت قليلاً كان الغداء قد نضج، وأبي قد وصل.
وعندما دخلتُ معه إلى غرفة جدتي ليسلم عليها ككل يوم، وجدناها قد فارقت الحياة! كانت جالسة بوقار، تتّكِئ إلى الجدار، وترفع رأسها بكبرياء، غير أن ملامح وجهها كانت حزينة جداً، وعلى صدرها تحتضن ألبوماً يختزن السنين في صور، والذكريات في بطاقات.. تركتُ أبي منشغلاً بالصدمة، ومحاولة إيقاظها، وغرقت في دموع الذهول، والزهرة التي لم أقطفها بعد، والتي قررت أن أتقاعس عن قطفها، وهرعت إلى أمي راكضة ولم يكن في بالي تلك اللحظة سوى شيء واحد: "ماما، ما في مرّة جاية!".
السبت، 1 ديسمبر 2018
عندما اشترت امي روج
الخميس، 13 سبتمبر 2018
مزايا أن تكون "مقطوعاً من شجرة"
فتحَتْ عينيها، طنينٌ منتَظَم هو أول ما تناهى إليه سمعها، وسقفٌ أبيض في زاويته عمود يعلَق عليه محلول الإشباع هو أول ما وقعت عليه عيناها، حاولَتْ أن تتذكر اللحظات الأخيرة قبل أن تجد نفسها هنا، فشتتها التجمهر الذي ملأ الغرفة: تقف بجوارها قريبة من طرف العائلة لا تتذكر اسمها أو صلة قرابتها بها، وكومة من الكاميرات تلمع "فلاشاتها" في وجهها، وتهامُسات بين حامليها "هل هي الناجي الوحيد؟.."
كانت هي فقط من تبقى من عائلة ممتدة وسيرة حياة بأكملها مُسحت عن وجه الأرض في لمح البصر..
قبل ذلك كان اسمها أمل، اختاره لها والدها، ولم تعُد تدري الآن هل سيبقى اسمها محتفظاً بترتيب حروفه، أم أنها تبعثرت مع اهتزاز القصف، لتحمل معنى آخر؟!
بعد بُرهة -تقصر أو تطول- من تحديق الكاميرات وملاحقة الصحافة، ومؤازرة المعارف وتعاطف الناس، أصبح الأمر أشبه بذهاب السّكرَة ومجيء الفكرة؛ الحالة التي تعيشها الآن هي ما ينطبق عليه قول جدتها -الراحلة مع الراحلين- : ما في حدا مقطوع من شجرة! لكنها حالة تثبت عكس ما ذهبت إليه العجوز الحكيمة التي عاشت في زمن آخر، يُنبِت حتى للفرع المقطوع جذوراً تجعل له شجرة أخرى، لكن لسوء طالعها امتد بها العمر لتموت في زمن يحمل فيه القاتل سكّيناً مسموماً، لا فرصة بعدها للفرع المقطوع في النمو.. من الجيد أنها ماتت قبل أن ترى ذلك بأمّ عينها!
قابلتُ أمل بعد عشرة أعوام من الحادثة، لأودّعها وقد عزمَت على السفر، بدت سعيدة بكآبتها، مستأنسة بوَحشتها، راضية بذهولها، لم يعد يهمها إذا كانت تبكي كل ليلة -كالفرض- وتصمت أكثر مما تأكل، وتغرق في التأمل كما غرقت حياتها في الدماء، فهذه صارت طقوسها التي تحدد هويّتها وتُسلّي وحدتها.
- كيف أنتِ
- أنا حرّة
كانت تريد أن تقول: مقطوعة من شجرة، لكنها وجدت لمأساتها وصفاً أخفّ وطأة وأكثر بريقاً..
قرأََتْ في عينيّ ذلك الاندهاش المُشفق، فابتسمت وأجابت كأنما سمعَت صوتي:
"في الحقيقة، إن لكوني مقطوعة من شجرة عدة مزايا لم أكن لأعرفها فضلاً عن أن أنالها دون هذا الوصف:
حين تكونين مثلي ستكونين ملكة الوقت، ستنامين قبل الغروب أو بعد الفجر، تستيقظين منتصف الليل أو بعد الظهر، تخرجين اليوم أو بعد غدٍ، عشر دقائق أو خمس ساعات.. لن يُملِي عليك أحد جدول مواعيدك، تماماً كما لن يملأه أحد.
ستنامين خالية الذهن من القلق على صغير مرِض، والتوتر لابنة في قاعة امتحان، والخيبة من ثوب جديد كبُر على صبي بسرعة..
سيأتي الصيف دون أن يزاحمك سريرك أحد، وسيأتي الشتاء دون أن ينازعك -ذات الأحد- غطاءك، لن يضحك من دموعك أو يغضب من تبرجك، ولن يعلّق على طعامك أو يتبرم من طلباتك.
سيبقى هاتفك ساكناً في سلام دون أن تثقله رسائل العيد المتكررة، ومجموعات واتس اب المتطابقة، سيرتاح من إشعارات فيسبوك التي مصدرها غالباً شقيقتك التي ذكرتك في كل تعليق على صفحات الأزياء والتجميل والحلي، وسيختفي رنينه الدوري مرة أو أكثر يومياً بسبب اتصالات والدتك تتابع مستجدات حياتك التي تهمها أكثر من حياتها..
ستستمتعين بنقودك دون أن يستدين منك أخوك الأكبر، وسترتدين ما يعجبك دون التعليقات السخيفة لأخيك الأصغر، والأهم أنك ستتخلصين من مزاحهما الثقيل!
أصبح الزّمن أكثر هدوءاً يا عزيزتي، وأكثر ثقلاً في الوقت نفسه، والأشياء أكثر مَدعاةً للتأمل، وأكثر إثارة للشجن، وأصبحت القرارات أسهل الأشياء وأصعبها على الإطلاق!
تمرّ المناسبات بلا ضجيج، رغم ضجيج الذاكرة الذي لا تقوى عليه كل أنواع العقاقير المسكّنة..
أنا الآن حرة يا صديقتي.. متخففة من كل مسئولية وواجب والتزام وقيد، لا يؤرقني شيء سوى ذاكرتي، هي فقط ما يُثقلني، لكن لا بأس، فهي الشيء الوحيد الذي يربطني بي".
- ألن تزيدك الغربة وحشة حين تغادرين؟
- "بل ستُذهِبها، فلن أكون الوحيدة "الوحيدة"، لا أول من يبكي أمام البحر، ولا آخر الهائمين في الطرقات، ليس عليّ أن أواجه شفقة مَن يعلمون و سخرية من لا يعلمون..
الغربة وصف طاغٍ لكنه شائع بين كل الغرباء، وهذا سيجعل غربة نفسي العميقة أقل طغياناً، وسيجعل الذاكرة أخف توحشاً حين تنفصل عن الأماكن الخاوية"
لقد كانت أمل بنتاً وحفيدة، أختاً وكنة، زوجة وأماً، خالة وعمة، ثم صارت لا أحد..
مضيتُ معتذرة لانتهاء وقتي بعد سخريتها مني وهي التي نادراً ما تنظر إلى الساعة..
لقد رأيت أمل وحروف اسمها لم تتبعثر فقط بفعل القصف، بل لم تعد ثلاثة أحرف، وصارت ثلاث أدوات للنفي!
السبت، 12 مايو 2018
يوم مات زوجي
لا أؤمن كثيراً بالكتابة عن الشهداء، فما قدّموه فوق كل كلام، ولن يملك لهم ما نقول ضراً ولا نفعاً، ولن يزيد قلوبَنا سوى حزنٍ ولوعة، لكن بعض التجارب تأبى إلا أن تتمرد على دفائن النفس، وتخرج من قمقم العقل، ولم تزل بي هذه الكلمات تُدافعني وأدافعها، وتُراوِد قلمي عن نفسه فيستعصم، حتى اختمرت في محبسها ونضجت، وتفتقت عن وعي وخبرة بعد سنين خمس من تبدُل الأوضاع والأحوال، والمعاش والمآل، والظروف والأحداث، وكرامة لزوجات الشهداء انصعت للكلمات واخترت أن أكتب عنهن ولهن وأنا أقلهن شأناً وتجربة.
لا أبالغ إن قلت إن سنيناً خمساً ليست سوى أولى مراحل الفقد التي تتراوح بين الصدمة والذهول، فالوحدة والوحشة، والخنوع والاستسلام، ثم الحرب والمواجه ، والبدء بحياة أخرى وواقع جديد.. وبين ثنايا ذلك كله أطنان من الفكر والرأي، الحيرة والتردد، والسهر والتأمل، حتى إذا انقضت هذه السنون وتوزعت في زوايا الذاكرة وانحصرت في أعماق الشعور، صارت أكثر وضوحاً للرؤية وأسهل حُكماً للعقل وأقرب قراراً للقلر، فكأننا نكون في أرض معركة لا يميّز الداخلُ في معتركها طريقَ النجاة من الهلاك، أو فريق الحق من الباطل، ومهما تمتع به من نظر ثاقب وحسن تقدير فإنه لا يستطيع أن يرى الحقائق والنتائج إلا بعد أن ينجلي غبار المعركة، وتهدأ ثورتها، وتسكن أصواتها، حتى لا يكون في آذاننا وقر ولا على أبصارنا غشاوة.
الشهداء بالنسبة للفلسطينيين فئة من فئات الشعب، تشغل أحد بنود تصنيفه، تماماً كالرجال والنساء والأطفال هناك أيضاً: الشهداء، وكل فئة لها منهم جزء مقسوم، هذا الجزء بالنسبة للرجال هو دليل وطنيتك وشرفك وصدق انتمائك، وما لم تقدم هذا القربان فأنت مخروم الوطنية مقدوح الانتماء، يحمل كل منهم نصيبه من الشهداء: أباه أو ابنه، أخاه أو عمه، جده أو حفيده، وسام شرف يباهي به كلَ فرحة ويُقارع به كلَ نازلة.
وبالنسبة للنساء، هو أغلى جزء من القلب انتزعنه صورة تزين حائط المنزل، كتحفة لا تضاهى ولا تقدر بثمن، فيعلقنها في أكثر الزوايا فخامة وحظوة تماماً كمكانة صاحبها من النفس.
وبالنسبة للأطفال هو أكثر ما يباهي به الشبل بين أقرانه، وأعز ما ينتسب إليه، وأثمن ما تحمله الفتاة لها اسماً وتحسه فخراً، أذا مرّوا في "الحارة" فرأوا صورته معلقة على جدار، أو اسمه مخطوطاً على حائط يراها ويقرؤه الرائح والغادي.
الشهداء بالنسبة لغزة حدث يومي وخبر متكرّر، يتجدد مع كلِّ منهما ذكرُ من سبقوا، ودمع أحبابهم، وجراح كلِّ مكلوم مهما مرّ عليهم الزمن، فكأنهما لكلٍّ وِرده اليومي من الحزن: حديثِ عهد به أو مُحدَّث!
لأجل ذلك لا يثير مُسمّى "زوجة شهيد" في النفوس غرابة أو تفاجؤاً، فقد صارت رتبة شائعة، وإن كانت رتبة شرف وافتخار.
لا يحق لي -أو لأي شخص كان- الحديث باسم زوجات الشهداء، فلكل منهن حديثها المتفرد وقصّتها العجيبة، لكن بعض "المصائب يجمعن المُصابينا":
في غزة كل أنواع الموت التي عُرِفت، ولم تُعْرَف، فمن لم يقتنصه جندي ممترس خلف جدار، دفنهُ صاروخٌ تحت رُكامِ بيته، ومن أفلتَ من معارك حرب ضروس، طحنته رحى أختها، ومن لم يقتُلْهُ المرَضُ قتلهُ المعبر!!
وإن كانت "الصدمة الأولى" هي الوصف الذي منحه النبي لخبر الموت، فهو كلام من لا ينطق عن الهوى، ومهما كان هذا الخبر "متوقعاً" أو "منتظَراً" لن يخرج عن كونه صدمة، وإن كانت صدمة العروس التي خرج زوجها صباحاً سليم الجسم مكتمل البدن وافر الصحة والنشاط، وعاد إليها جثة هامدة تختلف عن صدمتي وأنا أشهد أنفاسه الأخيرة على سرير المرض الذي نهشه أربع سنوات نتيجة لإصابته، وتختلف عن صدمة أم الأبناء الثلاثة أو الأربعة أو ما يزيد، وأنا أم لابنة وحيدة، وتختلف عمن ودّعت تابوتاً مغلقاً يخبئ أشلاء زوجها ويحرمها من أن تقبل-مثلي- جبينه النادي لتطمئن أنه نائم نومة العروس فرِحاً بما آتاه الله من فضله، وتختلف عمن كسر الزمن ظهرها القوي وسندها الوحيد وتركها وحيدة وسط أشخاص يطلق عليها مجازاً اسم "عائلة" بعد أن رحلت معه كل معاني الأسرة والاحتضان، فأنا التي قد حُبيتُ بعائلتين ووظيفة، غير أن ذلك كله لا يغير من تفاصيل الصدمة شيئاً.
لكن الجميع حينها يشتركون في "الصبر"، أيقونة هذا الشعب، الصبر في بيوت الشهداء أوضح وأجلى ما يكون، منحة إلهية مكفولة، وهدية ربانية ملحقة بكل جثمان طاهر، طأنه جزء من الطقوس، مدرسة يعيّن الله فيها مساء كل شهيد أساتذة جدداً ينضمون إلى حكايات التاريخ.
غالباً تقضي زوجة الشهيد أيامها الأول ذاهلة عن كل شيء، لا تحسن سوى البكاء، وتغط في حالة من الإنكار لواقع لا يمكن تصديقه، وتترك كل مسائل الحياة المادية بين يدي مَن حولها، يديرونها كيف شاؤوا، شاملة أمور الإرث والبيت والمال والأبناء، ولا تنتبه حتى إن كان ذلك برضى منها أو بغيره، برضى "الله" أو بدونه!
تسمع وترى أشياء عجيبة ما بين الشّفقة والوصاية، الطمع والقمع، بل وحتى اقتراحات لمشاريع زواج جديد!
تعيش حالة من التشتت النفسي أقرب إلى مرض يصعب فهمه وتفسيره أو اكتشافه والاعتراف به، فينال من المنطقية والاتزان والحكمة في كثير من أفعالها وأقوالها.
تصبح الذاكرة أكثر حدة، والأحداث الماضية أكثر تفصيلاً، وتصبح استعادتها مراراً واجباً مقدساً، وتصير الأذن أكثر حساسية لحديث الناس عنه، تلتقط أية قصة وتتشبث بكل رؤيا وتلتهم جميع التفاصيل.
بعد حين تصبح المعركة أمراً واقعاً لا بد منه، معركة الحياة والأمانة الثقيلة، والخانة الفارغة التي عليها ملؤها في نظر الأبناء، فتقف على قلبها وتبتلع حزنها، وتخنق دمعتها وترتدي زي الحرب، وتنطلق في وجه الحياة والظروف والمجتمع.. لتصبح مفخرتها ذات شقّين: بزوجها ميتاً، وبنفسها بعده حية.
وبعد أن يشيب الجرح يبكين مع كل شهيد جديد، ويجددن الحزن مع كل أرملة، ويبايعن الذكرى على اجترارها والألم على استدعائه، يحتضِنن الوافدة الجديدة لعلهن يكُنّ لها سلوى أو يجعلنها سلواهن!
لم يسبق لي أن قابلت زوجة شهيد ليست محط الأنظار، ولم أصادف من لا تحسد على نجاحها في معترك فشل رجال في الصمود فيه، هناك سيلٌ من الصعاب والمتاعب والعقبات والهموم التي واجهنها تضيق عن ذكرها مجلدات، وهناك زوجات لا يفيهن وضعُهن مع الشمس جنباً إلى جنب حقَهن في الاحترام والتقدير.
تخرج كل امرأة من هذه التجربة كالخارج من عملية بتر أحد أطرافه، بين ألم الفقد ونقص الجسد وصعوبة التأقلم.
وتؤلمها جراحها أكثر إذا كان زوجها مقاوماً، كلما رأت بندقيته يتيمة معطلة وعتاده حزيناً متكوماً، وكلما نادى المنادي أو اشتعلت المعركة، أو أزف النفير، وكلما لاح نصر أو تحققت أمنية.
مات زوجي في أيار البائس، قبل ذكرى النكبة بأربعة ايام، يوم مات زوجي -وأنا هنا كل زوجة- مات كل ما يعبر عن الزمن وتوقف الوقت في تلك اللحظة بالذات كان كل شيء قد انتهى، ماتت كل كتب التاريخ وأناشيد العروبة وشعارات المجد العريق..مات كل ما له علاقة بالأمل، بالنصر، وبالحياة..
لكن شيئاً ما غريباً ظلّ على قيد الحياة.. أنا!
تحت الرماد المتكوم بعد كل حريق هائل، لا تلبث أن تخرج عنقاء مستحيلة تنفض جناحيها وتمدهما للريح محلّقة إلى قمم النجاح، فهو ديدنها، وطبعها الذي جُبلت عليه، ومُكَوِّن دمها يوم خُلقت فلسطينية.
الأحد، 22 أبريل 2018
حسن وغفران
ذات صدفة في منزل والدي عثرت على ورقة مسطرة بحجو ورقة A4 قد أورثها الزمن اصفراراً، فتحتها فإذا بخط أبي مرسوماً بقلم أزرق، رسالة عمرها خمسة وثلاثون عاماً، كُتبت في بغداد وحُملت لعمّان ومرّت بالقدس، وصولاً إلى غزة لتستقر في يد أمي، فيها قطعة من التاريخ مخبأة بعناية ما إن فتحتها حتى عُرضت أمامي نابضة حيّة، بالصوت واللون والرائحة والإحساس، عندما أريتها لأبي قال:" لم يجرّب الحبَ من يعِش خفقة القلب مع صوت الورق، وحبسة الأنفاس مع رائحة المظروف، وسيَلان الدمع مع جرة القلم، كان حينها للذاكرة هيبة، وللانتظار لهفة، وللشوق معنى، وللتاريخ صندوق أثمن من الكنز جواهره رسائلُ هَرِمة".
لا يذكر أحدنا آخر مرة كتب فيها رسالة ورقية بخط يدوي، حملت معها في مظروفها قطرات من عرق يده، وعلامات سبّبوها الدموع المتساقطة على الحبر، وبعضاً من عطره المفضّل، بل إن الكثيرين لم يسبق لهم أن خاضوا هذه التجربة من قبل وقد فتحوا أعينهم على شاشة صغيرة مستطيلة تجعل العالم بين أيديهم، المسافات فيه بالنسبة لأحدهم لا تتعدّى السنتيمترات التي تفصل تلك الشاشة عن وجهه، والزمن فيه لا يستغرق أكثر من وقت طباعة الحروف.
في هذا الزمن يكاد يكون من المضحك أن يتواصل شخصان برسائل من ورق..فقد انقرضت تلك الرسائل التي شغلت الأدباء سنيناً عاكفين فيها على تاريخ وجمال وسيرة حياة، الرسائل التي تغنّى بها الشعراء وترنّم بها المغنّون وشكّلت واجهة الثقافة والتراث، الرسائل التي لوّعت العشاق وأثْرَت المؤلَّفات وزينت اقتباساتُها الخطب.
لكنها رغم ذلك لم تنقرض بالنسبة للجميع، لا زالت أجمل قصص الحب على وجه الأرض تعيش في رسائل، ولا زالت "غفران" تتبادل قلبها مع "حسن" منذ ثماني سنوات هي عمر خِطبتهما.
لم يجمع حسن سلامة وغفران الزامل سقفٌ واحد، ولم تتقابل أعينهما وجهاً لوجه، ولم تكن تعرف عنه سوى ما سمعه كل الفلسطينيين في نشرات الأخبار، أو قرأه بعضهم في كتابه الذي ألّفه في سنوات سجنه الأولى.
ام يجمعهما سوى الأسْر الذي عاشه كل منهما، وودّعه غفران ولا زال حسن يعاني أَشدَّه وأظلمَه!
لم يجمعهما سوى الخط الساحلي ذو المائة وعشرين كيلومتراً الممتد من "الخيمة" بالرملة بلدة حسن، إلى قيساريا بحيفا بلدة غفران، لم يجمعهما سوى خيمة اللجوء التي استوطنها أجداد غفران في نابلس، وضمّت عائلة حسن في خان يونس.
ثم جمعهما عقد "خطبة" لو شئنا الحديث عن قراره فسندخل متاهة مذهلة!
فقرّرا أن يجتمعا على الورق، أن يلتقيا بين السطور، أن يعيشا زمن الرسائل في عصر ال"واي فاي" ولم تكن رسائلهما تختلف عنهما في تحدّي السجن وكسر القضبان وهزيمة الظلم:
تكتب غفران كل أسبوع، فيحتجز السجان الظرف الورقي حانقاً، كيف له أن يسمح -في بقعة الموت الخاصة به- بمرور خطاب مُلغّمٍ بالحياة؟! قبل أن يحرره آخر ويبعثه لحبيب في عزله الانفرادي.
ثم تصلها رسالة حسن بعد شهر أو شهرين، وقد نجحَت في حمل روحه وعقله وقلبه خارج الأسوار وخلف الأقفال.
هناك التقيا: في مساحة الصمت بين العين والورقة، في مسافة الفراغ بين الكلمة والأخرى، في اللحظة الفاصلة بين الدمعة والابتسامة، وفي النشوة المقسومة بين الكتابة والقراءة.
هناك تبادلا كل شيء: لونيهما وطعاميهما المفضّلين وآراءهما في الفكر والسياسية، أسماء أبنائهما المنتظرِين وآخر الأخبار والأحداث، مشاعرهما ومكنونات نفسيهما وأوراد القرآن والصيام والقيام، تفاصيل حياة لا تحدها حدود ولا تمنعها حواجز، محبوسة كالجميلة النائمة بين ثلاثين وستين صفحة.
لو لم يكن للرسائل من ميراث سوى ما احتبسته من دقات قلبَي حسن وغفران وزفراتهما لكفاها!
السلام عليكم ياعشاق هذه البلاد، أعييتم عدوكم حتى إنه لو خَلص إل طريقة يحبس بها قلوبكم عن النبض لما عدِمتم وسيلة لقهره وهزيمته، يا أشقاء الموت أبناء الحياة.. كيف لا، وبينكم أسرى لم يُعجزهم الاحتلال أن يبعثوا لأحبائهم حتى نُطَفهم!
هنا فلسطين..حيث يُكتب الحب.. وينجو الأمل.. وتُولد الحياة.