السبت، 17 ديسمبر 2016

ذكرى إبعاد مرج الزهور

خُطَى هَجْرٍ علَى أَوجَاعِنا امْتدّتْ
مُذْ أَنْ نُفِينا إلَى الدُّنْيا مَشَيْناهَا..
تَشَابَهَتْ فِيها دَمْعاتُ خَيْمَتِنا
ولَمْ يَخْتلِفْ فِيها إلا مُسَمّاهَا..
مِنْ مَبْدإِ الجُرْحِ ما قَرّتْ لنا عَيْنٌ
كَثُرَتْ مَنافِينا حتّى نَسِينَاهَا..
#مرج_الزهور

الجمعة، 16 ديسمبر 2016

الحب العربي المنكوب

منذ فجر التاريخ كانت أشهر قصص الحب في التراث العربي مصحوبة بصوت السيوف، ولون الدم، ورائحة البارود، وإن كانت ظروف الحرب كفيلة بجعل أية قصة حب حكاية عالمية، ومعجزة خالدة، فإنها لا تعدو كونها تراثاً انتهى مع انتهاء زمن الحرب في العالم الحديث، الذي يؤرخ بانتهاء الحرب العالمية الثانية.
إلا أنها في التاريخ العربي، تخطت ذلك وامتدت لما بعده، لأن زمن الحروب في العالم العربي لم يؤرَخ له عصرُ انتهاء!
مذ نشأنا ونحن نسمع قصة عنترة بن شداد الذي توطّد حبه لعبلة تحت ظلال السيوف، ونحفظ عن ظهر قلب أبياته الشهيرة:
ولقد ذكرتكِ والرّماح نواهلٌ..مني وبِيضُ الهندِ تقطرُ من دمي
فوددتُ تقبيلَ السُيوفِ لأنها..لمعَتْ كفاغرِ ثغرِكِ المُتبسّمِ
وطالما سمعنا من أجدادنا قصص الحب في التراث الشعبي أشهرها عزيزة ويونس بين ساحة المعركة وجدران المعتقل، وغيرها من قصص ثبتت في التاريخ، أو اشتهرت في الأدب والدراما، ثم جرّ الواقع العربي -الذي لم يخلُ من الحروب عصراً من العصور- مزيداً من القصص التي لم تعد تراثاً، بل كانت أحداثاً حصلت مع أجدادنا، وذكرياتٍ عاشها آباؤنا، حتى صارت اليوم رواياتٍ لأقراننا، وتفاصيلَ طبعت حياة أبنائنا، تحت وطأة الحرب التي لم تتوقف حتى اليوم!
ولعل فكرة اقتران الحب بالحرب ليست حديثة، يقول الفيلسوف والأديب الشيوعي آلان باديو: هناك رابط حميمي وعميق بين الحبّ والموت، ومن قبله الشيخ ابن عربي فيلسوف الصوفية يقول: الحبّ موتٌ صغير، وهما رأيان يحملان وجهين لارتباط الحب والموت، فهو إما عميق وقوي لأنه آخر ما يمكن التشبث به في مواجهة الموت، أو قاسٍ وعنيف يجعل أصحابه البؤساء في حالة موت وهم على قيد الحياة.
عبر أحداثنا المأساوية من نكبة فلسطين -حيث أحب والد جدتي امرأة لم يستطع خطبتها لأنه خرج مع الثوار، وماتت هي في الحرب فأسمى جدتي أولى بناته حين تزوح باسم حبيبته- إلى احتلال العراق -حيث أبصر جندي أمريكي من عماه ليرى الحقيقة فأسلم وأحب عراقية وتزوجها وأقام ببغداد- وصولاً لمأساة سوريا -حيث حمل معذَّبوها قصص حبهم معهم فعاشت في المنفى أو دُفنت تحت الركام- عبر أحداثنا تلك تغير مفهوم الحب، وتحول من ترف جميل يتغنى به الشعراء ويُتخِم الكتب، ويُزين المجالس، إلى شاهد على المعاناة، ودليل على البقاء في وجه الاندثار، ومادة للتحسر والبكاء.
جاء في "زهر الآداب" للحصري: أن شيخاً بخراسان كان يعلم طلابه الحكمة، فكان يسألهم بين الحين والحين: "أفيكم عاشق؟
فإذا قالوا :لا، قال لهم: اعشقوا، فإن العشق يُطلِق العَيِيّ (الجاهل)، ويفتح جِبِلَّة البليد، ويُسخي البخيل، ويبعث على النظافة، وحُسن الهيئة، ويدعو إلى الحركة والذكاء وشرف الهمة، وإياكم والحرام!"
ولو عاش شيخ خراسان هذا اليوم لقال:" اعشقوا، فإن العشق يُزهر في الحرب، ويُثري الصحافة، ويبرهن على الإنسانية، ويُبكي العالمَ اللطيف، وإياكم أن تظنوا أنه يحركه لإنقاذكم!" فهو عالم غارق في الأنانية وترف الموروث الذي يتغنى بقول الآلهة الأسطورية أفروديت: "إن الفوضى التي تصنعها الحرب في العالم يمكن أن يصنعها الحب إذا ظل قابعاً في الوحدة والفردية العاجزة عن خلق التوازن في نظام الوجود".
إن الفوضى التي تصنعها الحروب لا يمكن أن تنتظم مجدداً أبداً، لأنها تجعل حتى الحب منكوباً ومكسوراً وجريحاً وغير قادر على ترميم نفسه، وهو الذي كان يعول عليه في ترميم البقية الباقية حوله.

الاثنين، 12 ديسمبر 2016

حلب

قَصمتِ ظهريَ بالأحزانِ ياحلبُ
تعِبَتْ مآقِي الجُرْحِ والأوغادُ ما تعِبُوا..
مِنّي نزيفُكِ والجَلادُ ما اخْتَلفَا
قتَلْننَا يومَ ذِلَّتِنا الألقابُ والرُّتَبُ..

السبت، 10 ديسمبر 2016

تعددت الألوان والمسمى واحد!

في تاريخ أوروبا تفاصيل مثيرة عن مقاومة قبائل الغجر للامبراطورية الرومانية؛ فقد شكلت هذه القبائل مثل: الفاندال والقوط والفايكنج، مصدر إزعاج دائم على الحدود الشمالية للإمبراطورية التي كانت تطلق على مكان وجودهم وسيطرتهم اسم "جيرمانيا"، وقامت ببناء سور فاصل حصين بين مناطق نفوذ تلك القبائل ومناطق سيطرة الإمبراطورية الرومانية، بدأت المواجهة عندما قرر الإمبراطور أغسطس قيصر غزو جيرمانيا، مع بداية العقد الميلادي الأول، ليُذيق الغجر الرومان أصنافاً من المقاومة استمرت حتى القرن الخامس وكانت سبباً رئيساً في سقوط الإمبراطورية الرومانية.
الشاهد أن هذا التاريخ حافل بأشكال المقاومة العنيفة التي استخدمتها قبائل الغجر، محملة بحقد دفين على الرومان الذين اعتبروهم عرقاً أقل بشرية، ووصل التنكيل بهم إلى أكل لحومهم -على ماتذكر بعض الروايات- حتى صار ذلك السور الفاصل رمزاً للرعب وحدوداً تنتهي الحياة عنده -على حد وصفهم- جعلتهم يندحرون أمام جماعات بدائية قليلة المال والتمويل وعديمة الخبرة بصنوف الحرب الحديثة، لكنها تسلحت بأقوى من ذلك وهو الانتماء للأرض ومعاملة الرومان كمحتل غاشم لم يأتِ لهم سوى بالدمار والاستعباد.
لم ينكر أحد من مؤرخي أوروبا ذلك التاريخ، ولم يعب أحد من دارسيهم على تلك القبائل مقاومتها للمحتل، رغم تطرفها ومبالغتها، إذ ليس من حق أحد أن يمنع أحداً من الدفاع عن نفسه وأرضه بالطرق التي تلائمه، ويراها مؤثرة، والمضحك أنهم أنفسهم يتهموننا بالعنف والتطرف حين نواجه الاحتلال الأبغض على وجه الأرض!!

أحِب السلطان (3)

الباب العالي، أو "توب كابي" بالتركية، باب سور المدينة الذي دخل منه السلطان محمد فاتحاً، ليكون لقباً له على مرِّ التاريخ، تمرّ أمام السّورِ فتجدُهُ ناطقاً بتفاصيل المعركة، بعدَ أن يقُصَّ عليك تاريخَ الأُممِ الغابرة التي مرّت منه، أو اندحرت أمامه، على مدارِ ألفٍ ومائةٍ وثلاثٍ وعشرينَ سنةً من عُمُرِه، كأن حجارته تتكلّم، وتّشِي بصلابَتها إذ حطّمت آمالَ مئاتِ الطّامحينَ -قبل السّلطان- لنيلِ شرَف الفتْح، بقَدْرِ ما تُوحِي بعظمةِ الفاتح الذّي نجح أخيراً باختراق تُحْفةِ الإمبراطور قسطنطين التّي قامت عام 330م، حينَ حظِي البابُ العالي بشرفِ تسجيلِ تلكَ اللحظةِ التاريخية عام 1453م، ثُمَّ أنشأَ السُّلطان قصر الباب العالي "سراي توب كابي" مقرّاً له، أقام فيه حباً لهذا المكان الذي صنَع مجده، وفخراً بتلكَ البُقعة المُباركة..وعلى جانبي باب القَصْرِ خُطَّ طرفا معادلةِ الحُكم الرّاشد: "السلطان ظلّ الله في الأرض"، و، "يا واليّ كُلِّ مظلوم"..

الجمعة، 9 ديسمبر 2016

5 دقائق في السينيما: أنا وتايتنك

بعد عشرين عاماً من عرضه عام 1997م، شاهدت لأول مرة فيلم تايتنك الشهير هذا العام، ووقفت على عبقرية الفيلم التي أكسبته عشر جوائز أوسكار، وخمس جوائز غولدن غلوب، وغيرها الكثير؛ لقد عالج الفيلم مظاهر مجتمع كامل، وبيئة مفصّلة من خلال قصة استخدمت لتكون خطاً درامياً، لا محوراً موضوعياً كما يعتقد البعض ممن ينظر بسطحية إلى الفيلم، وينتقد "تفاهة القصة".
في تايتانك تكمن مفارقة الحياة الإنسانية العجيبة، حين يعلو وينجح ويتغطرس، ويظنّ أن نجاحه خالد وغير معصوم، فتصفعه الأقدار في بداية هذا للمجاح وتقلبه على عقبه، مناديةً: لست سوى كائن ضعيف يغرقه أبسط أخطاء الماكينة، وتلتهمه أقل ثورات الطبيعة!
هذا المتغطرس الذي يتعدى مهندس السفينة الذي سمح لنفسه أن يقول:" حتى الله لايستطيع إغراق تايتنك" ليمثل طبقة كاملة ممن يتعالون على أمثالهم من البشر، ويعتبرونهم درجة دنيا من المخلوقات، ذلك التبجح الذي جعله يهيأ لهم أنهم معجِزون خالدون منزهون ومكمن الفضائل كلها، رغم ما تكتنفه علاقاتهم من زيف ونفاق وتصنع وغيرة وأحقاد، أظهرها حبّ المال، وزيجات المصالح، ومنافسات التباهي، لتأتيهم كارثة الموت -وهي أبعد ما يتصورون- دون أن تعطيهم تفضيلاً وفقاً لمناصبهم أو أموالهم أو مسمياتهم أو علاقاتهم، لتمنحهم موتاً متساوياً مع خدمهم، دون مراسم، ولا تشييع، ولا حتى قبور!
ورغم محاولاتهم التضحية بتلك الفئة من الفقراء للنجاة بأنفسهم، لأنهم رأوها أحق بالعيش من سواها، إلا أنهم لم ينجوا جميعاً، إذ بلغت بهم الغطرسة ألا يحسبوا حساب قوارب النجاة العملية التي تكفي الجميع اعتماداً على صنعهم معجزة خارقة لن تحتاج معدات طوارئ، فغرقت في أول إبحار! وعندها ظهرت أنانية وجشع الفئة الأروستقراطية، وأصبح المال لا يساوي شيئاً، وأثمن الحلي لا تغني عن أحد، في حين ظهر إخلاص وإيثار البسطاء، وتمسكهم بما تربوا عليه من مبادئ.
لقد كانت التايتنك في حدّ ذاتها حادثاً مليئاً بالمفارقات والحكم والعجائب، وظهرت عبقرية المخرج -ومن قبله الكاتب- في بسط هذه الدروس والمظاهر جميعها من خلال قصة لطيفة، واستعراض ذكي داخل الحوارات، والأحداث، وأكملت الجمال مؤثرات بصرية احترافية ومبدعة، دمجت بين الهيكل الحقيقي الغارق، وخيال الدراما في إعادة إحيائه، وعمّقت التأثير المؤثرات الصوتية المتقنة، مع لمسات درامية فنية جعلت مشهد الغرق يحبس الأنفاس، ويلمس شغاف القلب.
فيلم تايتنك توجد غيره كثير من أعمال السينما المبدعة، لكنني رأيت فيه مثالاً للبساطة مع العمق، للاختصار مع التركيز، والروح مع الاحتراف، والمهنية مع الإبداع، وهكذا فقط يؤثر صناع السينيما في الجماهير.

الاثنين، 21 نوفمبر 2016

كونشرتو الغربة

لو كانت الغربة لحناً، لكانت أكثر الألحان شجناً، وألماً، حباً وأملاً، ولابتدأ منذ عصر أول المنفيين عن بلاده، وما انتهى إلا بانتهاء الزمن، ولاستطال صف عازفيه حتى غطى الأفق، ولارتعشت معه قلوب وذرفت عيون لا حصر لها ولا عد، لكنها مقطوعة كونشرتو يعزفها القلب وحده.
الكونشرتو لدى أرباب العزف نوع من التأليف الموسيقي وضع لآلة واحدة أو لعدة آلات تقوم بأداء الدور الرئيسي، أما الفرقة الموسيقية فتكون مرافقة لها فقط، بحيث يتكون أطولها من أربعة مقاطع متناغمة متصلة تتغير علاقة الآلة الرئيسية فيها بعزف الفرقة المصاحب تفاعلاً واتصالاً أو استقلالاً وانفصالاً.
وما أشبه الغربة في القلب بهذا التكوين الموسيقي، يدندنها على أوتاره متماهياً مع هذا العالم أو منقطعاً عنه، في كل قطعة منها لوحة من شعوره، وهزة من ارتجافه، وضجة من نبضه، وغصة من مرارته!

المقطع الأول - الغربة البرعم
حينما كنا صغاراً، تفتحنا على أرض غريبة، لا يتكلم فيها الناس كوالدي، ولايرتدون كجدتي، ولا ينظرون إلينا كما ينظرون لبعضهم، فتفتح برعم الغربة معنا قريناً ينمو ويكبر، ويتطور، منذ التصق بنا مصطلح "المغتربين" في أول يوم على مقاعد الدراسة، وجمعنا شتاتنا في المدرسة في "شلة" واحدة تتخذ ظل زيتونة في ساحة المدرسة مقراً لها، نلملم ضعفنا ليقوّينا، ونلملم حبات الزيتون ندقها ونأكلها مباشرة لتمدنا بشيء من رائحة الأرض، وطعم الوطن!
منذ أن بدأنا نحاول تكوين الصورة المبعثرة في عقولنا، من أحاديث الأهل، وقصاصات الرسائل، وحكايات الجدة، وصور العائلة، ورائحة الزعتر في هدايا الأقارب المرسلة مع القادمين،
كما نحاول تكوين أجزاء لعبة "puzzle" معقدة التركيب، تحمسنا أحياناً وتحبطنا أخرى، تفرحنا مرة، وتتعبنا مرات.
وحين اكتملت الصورة، كانت في أبهى حلة، وأروع تكوين، انتشينا بها حتى صارت حديثنا للجميع من حولنا، وحفظنا تفاصيلها وكررناها حكايات حب، حتى اشتقنا لأناس وأماكن وأشياء لم نعرفها قط..تمكّن منا الوطن كما تمكنت الغربة، كانت تمده بالقوة والكمال والبهاء، وتمدنا بالأمل والتباهي والانتظار..

المقطع الثاني - الغربة الوطن
"حين نرجع للوطن سنجد فيه أجمل من كل ما رأينا، سننعم ونأمن، ونحلم" بهذه الكلمات كبرنا أكثر، وطارت قلوبنا فرحاً لكنها لم تكن تأهبت لحقيقة صادمة: أن ترجع للوطن فترى فيه من الغربة أكثر مما رأت خارجه!
صار الوطن طيراً مذبوحاً، أعطونا منه ذيلاً، وحفنة من ريش، وأوهمونا أننا سنحلق لا محالة حين يبعث الطير فيطير!
وقلت لأمي: لو أنهم أعطونا الجناح، لتمكنا من إيقاظه من موته، لمَ لمْ يعطونا الجناح يا أمي؟! صمتت أمي، وتكلمت دموعها، لم أفهم منها الكثير لكن الأيام المتتابعة والدموع المتتالية كانت كفيلة بالشرح..
فزعنا إلى مساحات الغربة في القلب، نحتمي بها من وطن غريب، فقد بنينا فيها هناك وطناً جميلاً، لم تضع فيه دماء الشهداء هدراً، ولا مات المهجرون في منافيهم، ولا ابتلع القدس جدار، صرنا غرباء في الوطن، وظلت الغربة لنا وطناً!

المقطع الثالث - الغربة النضج
نضجنا، وبدأنا نفهم الحياة، ونضجت الغربة فينا، فأصبحت أعمق، كانت غربة الطفولة حلماً، وغربة الصبا وطناً، أما غربة النضج فهي الحمل الثقيل!
عندما تغترب فاهماً واعياً تشعر أن الوطن بداخلك غريب أينما حملته، لا وجود له إلا في قلبك، ولا تراه سوى في عيون أبنائه المتجمعين ليكونوا وطناً لبعضهم البعض، وفي عقول الثوار المنفيين، وفي ترانيم المتجمهرين في المناسبات الوطنية، وفي شعارات الساسة قبيل الانتخابات، وفي شفقة الإنسانيين من سكان هذا العالم، صار الوطن أصعب، لكنه صار أجمل، صار أثقل لكن أغلى، صار أبعد لكن أطهر..

المقطع الرابع - الغربة الإدمان
في الغربة يتمدد الوطن فينا فيستولي على كل مساحات الروح، ويتجلى كأنه قاب قوسين أو أدنى، ونحمله على أكتافنا كوفية فخر، وعلى رؤسنا علم عزة، في الغربة ينتفي الإحساس بقسوة الوطن، ويختفي الشعور بظلم الأرض، ويتبدد الاعتقاد بجور البلاد، فتظل عزيزة، ويظل أهلها كراماً..
يستولي علينا هذا الإحساس الجميل، فتأخذنا نشوة المناضل، وندمن غربتنا الجميلة، التي تدفعنا لحب وطن خلقته فينا، وزرعتنا فيه، وحملتنا إياه أمانة لا تسقط، وحقاً لا يلغى، وذاكرة لا تمحى، وحقيقة تأبى الإخفاء..

الثلاثاء، 1 نوفمبر 2016

جهاد المكوث

"مُرابطُون علَى أرْضِ الرّباط" لِفَتْرَةٍ طَوِيلَةٍ كانَ هذا شِعارَنا الذّي تَرَبّينَا علَيه وغُرِسَ فينا، وتَعَلّمْنَاهُ عِلْماً وعَملاً، وعلّمَنا أساتِذتُنا أن نُجَدّدَ نِيّةَ الرّباطِ كلَ يومٍ وليلة، كانَتْ ثمّةَ قوةٌ عظيمَةٌ في استِحْضارِ هذا المفهُوم، تقوّينا أمامَ كلِ الصُّعوُبات، وتُصبّرُنا على كلّ مكرُوه، وتزِيدُنا تجَذّراً في أرضنا، كيفَ لا ونحن نتَوسَّمُ أن نكُونَ من قصَدَهُم رسولُ اللهِ صلّى اللهُ علَيْهِ وسَلّم بقوله: " لا تزال طائفةٌ من أمّتي على الحقّ ظاهرين، لعدوهم قاهرين،  لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ وَلا مَا أَصَابَهُمْ مِنْ لَأْوَاءَ حَتَّى يَأْتِيَهُمْ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَذَلِكَ" قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَأَيْنَ هُمْ؟ قَالَ: "بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ وَأَكْنَافِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ"
ولم يزَلْ مُنْذُ ذلكَ الحين يتَغرّبُ فينا الحق، ويتكاثَر عَلينا الأعداء، وتشتدُّ علينا اللّأواء، ويُؤذينَا من خالفونَا في النّفْسِ والمالِ والولَدِ، بل وفي الدّين! ومَع كُلّ مِحْنَةٍ تظهرُ حقيقَةُ الرّباطِ، وتزْدادُ المُجاهَدةُ للوصُولِ إِلَيْهِ والثّباتِ علَيهِ برِضىً وسعادة، وتتقلّص أعداد هذه الطّائِفة إيماناً أو عمَلاً..فكم مِنا حمَل هذا المَبْدَأ شعاراً؟ ثُمّ إذا ضاقَتْ ظَنَّها لا تُفْرَجُ! وكَمْ انزَلَقَتْ أيدِينا عن التمسُكِ بالرّباطِ مع كُلّ هزّةِ ابتلاء! فانفلَتْنا مِنْهُ رُوَيداً رُوَيداً رَغْمَ دُخُولِ الوَقْتِ الفِعْلِيِّ لتحقيقِه، وصارَتْ الهجرةُ والمغادرةُ أولى أُمنِياتنا، وأصْبَحَ المُكوثُ في أرضِ الرّباطِ إجباراً لا اختياراً، فضْلاً عن أن يكُونَ فِعلَ مُقاوَمة يُرْجى منه الأجرُ والثّواب..
لقد نسينَا في غَمْرَةِ الحياةِ القاسيةِ مفهُومَ الرّباط الحقيقيّ، وتذرّعنا بأنّهُ مامِنْ جهادٍ فِعْلِيٍّ نمارسُهُ ببقائنا مقموعينَ مُحاصرين تحتَ طائلةِ التّنكيل في أي وقتٍ من قِبل الاحتلال، مضطرّينَ للخَوف والتّحفُظ والمُوارَبة، في حين بإمكانِنا الجِهادُ بكل ما أوتينا لِنُصْرَةِ قضيّتِنا لو مُنِحنا حياةً آمنةً كريمة عل  أيّة أرضٍ أخرى من أربابِ الحريات، لكنّنا في الحقيقة نخدعُ أنفسَنا قبل أن نخدع الآخَرين! فإن كُنّا ضِقنا ذرعاً بالبقاء على أرض الرّباط -مجرّد البقاء- فقد رسبنا في أول امتِحان..
بقاؤنا عل  هذه الأرض جهادٌ من نوعٍ آخر أدْركناهُ حديثاً خاصّة مع موجة الرحيل الاختياري الجماعي التي تجتاح القطاع، هو "جهادُ المكوث"، وهو أول أنواعِ الجهاد، وآخرُها..أيسرُها، وأصعبُها في ذاتِ الوقت..فإذا فشلنا في اجتيازه، هل تُرانا ننجح في سواه؟؟!!

أحِبُّ السّلطان (2)

إلى هُنا كان يأخُذُ بيدِه صاعِداً أعلى القمّة، لِيُرِيَه المدينةَ المنيعةَ من عَلٍ..
الشيخ آق شمس الدين، معلّم السلطان محمد الفاتح، كان يصطحبه إلى هذه التلة –الّتي أصبحت الآن مزاراً سياحيّاً شهيراً باسطنبول يُعرف باسم "تلّة العرائس"- منذ كان عمره اثني عشر عاماً، مُشْرِفاً على القسطنطينية بأسوارها الأسطورية، وسدّ الماء المنيع الذي يحط بها كسُورٍ طبيعيٍّ آخر، وكان يشير إليها باستخفاف مخاطِباً السلطان: أتَرَى هذه الجوهرة التي ما فتِىءَ الأبطال يتساقطون عند أسوارها؟ إنّكَ أنت من سيفتحها، وإنّك أنتَ من قصَدهُ رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: «لَتُفْتَحَنَّ الْقُسْطَنْطِينِيَّةُ فَلَنِعْمَ الأَمِيرُ أَمِيرُهَا، وَلَنِعْمَ الجَيْشُ ذَلِكَ الجَيْشُ».
وكان يُكَرّرُ الرّحلة كل يوم..كل يوم..دون تعبٍ أو مَلَل، حتّى تيقّن الفتى السلطان، أنه هو تحقُّق النبوءة، فانتَظَر..وانتظرَ معهُ الشّيخ الذي صَنَع الفَتْح قبلَ حدُوثِهِ بعشرَة أعوام..

الخميس، 27 أكتوبر 2016

كنا مستضعفين في الأرض

لاعُذر اليوم للضعفاء، الكل مأمور بالعمل، وعدم الاستسلام، ومقاومة الفتنة بكل ما يستطيع، حتى لو كان الخروج من الأرض، ومن يتذرع باستضعافه ليتخلف عن دينه حماية لنفسه غير معذور، إذ لم يجتهد في الحفاظ عليه، وإن مات على ما هو عليه من ترك دينه خوفاً عومل معاملة المشركين "إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم"، قال الطبري في تفسير الآية:
قالت الملائكة لهم : في أي شيء كنتم من دينكم قالوا كنا يستضعفنا أهل الشرك بالله في أرضنا وبلادنا بكثرة عددهم وقوتهم ، فيمنعونا من الإيمان بالله ، واتباع رسوله صلى الله عليه وسلم ، وقولهم هذا معذرة ضعيفة وحجة واهية  قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتخرجوا من أرضكم ودوركم ، وتفارقوا من يمنعكم بها من الإيمان بالله واتباع رسوله، إلى الأرض التي يمنعكم أهلها من سلطان أهل الشرك، فتعبدوا الله،  يقول الله جل وعلا: "فأولئك مأواهم جهنم.."
وهذا ينطبق على سائر الأمور من الأخذ بأسبابها ومحاولة كل ما يمكن، وعدم الاحتجاج بالاستضعاف، لأنه يسقط بوجود أدنى الأسباب التي توصل الهدف.

الموت بالمقارنة

للموتِ أحوالٌ وأنواع..ومواضِعُ نخْتبِرُ فيها الموتَ بمعنىً آخر..فبمقدارِ نقصِ مظاهرِ الحياة لدينا، تزدادُ مِساحةُ الموت فيها، وفي غزّة كل أنواع الموت التي عُرِفت، ولم تُعْرَف، فمن لم يدْفِنْهُ صاروخٌ تحت رُكامِ بيته، دُفِنَ حيّاً كل يومٍ بغُبارِ الذكرى لأحبّتِه الذين دَفنهم ذلك الصّاروخ ونجا هو، ومَنْ لم يمُتْ جوعاً ماتَ كُلّما رأى أصحابَ الكُروشِ المُتخمة على شاشاتِ الإعلام وهُم يبيعون جوعَهُ ليَزِيدوا تُخْمة، ومَن لم يفتِكْ به الجَهْلُ، تهاوى أمامَ الزّمنِ الذي يجْرِي بالعِلْمِ ولا ينتظِرُ أحداً، ليُدرك َ أن العلمَ "لو فِي الصّين" لكان أسْهَل منهُ خلْفَ الجِدار، ومن لم يقتُلْهُ المرَضُ قتلهُ المعبر!!
وللِحَقِّ فإن بعض الأوقاتِ تسْمَحُ لبعضِ الموتى بتذوقِ الحياة، فقلتُ كما قال تمِيم :" لرُبّما هي نعمةٌ"، غير َ أنها كانت في سياقِ موتٍ آخر من نوعٍ جديد، فمعاناُة المُحَاصرِ المَسْجُونِ داخلَ مِساحةٍ مُحدّدة، مقْمُوعاً مُحَجّماً، كمُعاناةِ الرّئةِ حين تُقَتَّرُ عليها كميّاتُ الهَواءِ: في اختناقٍ دائِم!
لكنّ المُعاناةَ الأكبرَ لِذلكَ المَسْجُونِ، إذا أُطلِق سَراحُهُ وتذوَّقَ الحُرّية، وبُعِثَ من بعد مَوتِه، و رأى من جمالِ الحياةِ التّي هي أدنى حقوق البشر، وربما البهائم، ما لاينالُه إلا في الأحلام، ومِن كَرامةِ العَيشِ ما لم يسْمَعْ عنه إلا في الشعارات المرفوعة في التّظاهُراتِ المُتضامنةِ مع موته، ومن إنسانِيّة الإنسانِ ما أنْساهُ أنه بشر.. ثُمَّ عاد بعدَ ذلكَ ناكِصاً علَى عَقِبَيهِ لِيَقبَعَ فِي سِجْنِه من جديد..ليَمُوتَ بالمُقَارَنةِ أكثرَ مِمّا يَمُوتُ بالواقِع!!
لطالَما كانَتْ غزّةُ سِجْناً كَبيراً، لكنَّها صارتِ اليومَ مقبرةً ضخمة، يرى الناظِرُ سُكّانها أمواتاً غيرَ أنهُم أحياءٌ عندَ ربّهِم يُرْزَقون، ويظُنُّ أنهُم انقطعوا عنه، والحقيقةُ أنهم يَرَونه ويسمعُونهُ ويردّون عليه، وإذا تيقّنَ بجهلِهِم بالواقع وغيابِهِم عن العالَم، فوجِئ بزياراتِهِم في عالمِ الرُّؤى يشرَحُونَ الواقِع ويلومونَ على الماضِي، بل ويتنبّؤون بالمستقْبَل.. ف"إذا رأيتَ نُيُوبَ الليثِ بارِزَةً**فلا تَظُنّنَ أنَ اللّيثَ يبْتَسِمُ!
إذا كان اللهُ لا يجمَعُ على عبْدٍ خَوْفَين، فإنّهُ أرحَمُ من أن يَجْمَعَ على أهلِ غزّةَ موتين، وإنّي لأرجو أن تكون موتةُ الذين مَضَوْا مجرّدَ شكْلٍ آخر من أشكالِ مَوتَتِهمُ الأولى لا يذوقون فيها عذاباً ولا ضنكاً..

الأربعاء، 26 أكتوبر 2016

أحب السلطان (١)

وقفت أمامها مشدوهة بارتفاعها البالغ 82 متراً، قلعة روملي حصار باسطنبول..على ضفة البوسفور منتصبة كعملاق البحر، لا يهزمها شيء، لا جيش..ولا طقس..ولا حتى مرور الزمن..يطل عليك من بين حجارتها وجه الفاتح العظيم السلطان الغازي محمد، خالداً خلود التاريخ..وهو يُعلّم العالم كيف بنى هذا الحصن الشامخ في 3 أشهر ونصف، لتكون منطلَقَهُ في حصار القسطنطينية وفتحِها..مشرفاً بنفسه على أعمال البناء التي كان مهندسوها يشاركون العمال فيها يداً بيد..
ومحقّقاً ما كان مستحيلاً مسلّماً اختبأت وراءه البيزنطيون دهوراً..تشدّ القلعة وتسحر كل من رآها..ولسان حالها يقول: إنكم مهما تطاولتم بهاماتكم لن تقتربوا من نجوم الإسلام الذين حملوه عزة وفخاراً..وأعزّوه قوة وحماية..

ثلاجة السيسي

حينما صدح الرئيس النّفيس بخطابه الجديد في مؤتمر الشباب، كان يُضيف حلقة جديدة إلى سلسلة الاستعباد التي يربط بها رقبة الشعب، ورغم توقعات كثيرة بخطاباته التي باتت موحّدة الأسلوب والغاية، إلا أنه يفاجئنا في كل مرة بمستوىً جديد من مستويات الانحطاط، في الفكرة والمضمون، والأسلوب والطريقة، وكذلك هذه المرةَ فعل..
عندما افتتح السيسي خطابَه عن ثلاجته العزيزة، كانت جدتي تستمع إلى الحديث، ومن شدة دهشتها للسنوات العَشْر المشفوعة بالقسم المُكعُب، جرى القول السائر على لسانها الطليق "كِيف تِعرف الكُذبة؟ من كُبُرها"!
لا تعرف جدتي من هذا "التافه" كما أسمته، ولا تعرف جموعَ المنافقين والمتملقين والمتسلقين التي تصفق له كلما قال "خلّوا بالكم"! واستهجنت كيف يسمحون له بالحديث في "مجالس الرجال"، شتمت جدتي المتحدث والتلفاز والعصر، وأشياء أخرى..وقامت..لا تعرف جدتي أن هذا الوجه السّمِح يدفن 90 مليون إنسان تحت "بيادته"، ويطلُع عليهم كل حين ليذكّرَهم بأنعم الله ويدعوَهم لشكرها، ويدعوهم للصبر والزهد والكرم والإيثار، حتّى وإن لم يجدوا مايَسُدُّ رمقهم، أو يسدّ خروق ثيابهم، أو يسد ثغور منازلهم، في طريقةٍ أشبهَ ما تكون بطريقة أخينا ثعلب أحمد شوقي الذي برز يوماً في ثياب الواعظينا..غير أن هذا لم يجد من يقول له: مخطئٌ من ظنّ يوماً أن للعَسْكرِ دينا..
ولا تعرف جدتي أيضاً أنه جعل كِنانة الله في أرضه أُضحوكة العرب والعجمْ، أغلق مساجدها وملأ سجونها ومقابرها، وأثبت أنه تلميذ نجيب، في الظلم والعنجهية فاق أستاذه..
عندما أخبرتها أن هذا "التافه" هو رئيس الدولة..صمتت مع هول الصدمة، واعتلاها هدوء مفاجئ، تذكرت المعلومة الوحيدة التي تعلمها عن الرئيس المصري الذي لم تلْتَقِه من قبل: وهي أنه هو من يسد عن غزة منفذ الحياة..ويمنعها من رؤية أبنائها وأحفادها، وعلمت لمَ لمْ يكن في ثلاجته غيرُ الماء، لأنهم أطعموه كرامتهم!!
بعد تنهيدة يائسة قذفتني بمثل آخر: "كل زمان واله دُولةٍ ورْجال"..وياااله من زمان، ويا لها من دولة، ويا لهم من رجال!!
#ثلاجة_السيسي