لم يكن عمري يتجاوز السنوات الثلاث حين كنت أغفو على صوت أمي وهي تغني لي "زهرة المدائن"، وأنام مباشرة بعد قولها:"الطفل في المغارة وأمه مريم وجهان يبكيان"، ولم أعرف يومها لِمَ يبكيان.
وبعد عام، كانت أمي تغني مع خالتي وهما تُعِدّان كعك العيد:" أحِنّ إلى خبز أمي وقهوة أمي وأعشق عمري لأني إذا مِتُّ أخجل من دمع أمي"، وتبكيان، ولَم أَدْرِ حينها لِم تبكيان!
ويوم العيد اصطحبتني أمي إلى حفل موسيقي لفرقة العاشقين وافتتحوا الحفل ب"يازريف الطول وقّف لاقولك رايح عالغربة وبلادك أحسنلك"، وكنت أسأل أمي: ماهي الغربة؟ فتَلْعَنُها وتقول: ما نحن فيه الآن، وتبكي، ولَم أعرف كذلك لِم تبكي.
وكان العاشقون يُكْمِلون الحفل وسط جمهور أعرف وجوهه الحزينة كلها، يرددون مع الفريق:" يا يُمّا في دَقّة ع بابنا، هاي دقة احبابنا، هاي دقة قوية، دقة فدائية" ولم أكن أعلم ما معنى "فدائية" ولماذا يدقون الباب.
ويكمل العاشقون والجمهور يزغرد معهم على أنغام "زغردي يا ام الجدايل زغردي، وزيّني فخر الأصايل بالودَع، وازرعي الحنة على الصدر النّدي، واربطي العصبة على كل الوجع"، يصمتون ثم يبدؤون من جديد "من سجن عكا طلعت جنازة، محمد جمجوم وفؤاد حجازي، جازي عليهم يا شعبي جازي، المندوب السامي وربعُه عموما"، ويبكون -يوم العيد- ولم أفهم لماذا يبكون.
وفي الخامسة من عمري دخلتُ المدرسة، وكانت أمي تذاكر لي دروسي وتدندن:" كتبنا تواريخ، حفظنا تواريخ، إجا التاريخ ضرَبْنا كَفّ".
هكذا كانت تمر السنون : بين ترنيمة أمي قبل النوم:" وقّفوني ع الحدود قال بَدُّنْ هويتي"، وغنائها باكية بعد رسالة وصلتها من جدتي تُخبرُها أن ابن الجيران استشهد :" رجع الخيّ ياعين لا تدمعيله، فوق اكتاف رفاقه ومحبّينه"، وترديدها مع خالتي وهما تُعدّان طعاماً رحمة عن روحه:" طلّت البارودة والسّبِع ماطلّ، يا بوز البارودة من دَمُّه مِبْتَلّ"، وبين صوت السيّاب في شريط الكاسيت وهو يُلقِي انشودته:" مطرٌ مطر..
اتعلمين أي حزن يبعث المطرْ
وكيف يشعر الوحيد فيه بالضّياعْ
مطرٌ مطر
وفي العراقِ جوع
في كل عام حين يُعْشِبُ الثّرى نجوع
ما مرّ عامٌ والعراق ليس فيه جوع"
وصوت جوليا الصّادح في أرجاء المنزل:" بنرفض نِحنا نموت، قولولُنْ راح نبقى، أرضك والبيوت، والشعب ال عَم يشقى، هاوإلا يا جْنُوبْ، ياحبيبي يا جنوب".
ثم صار لي إخوة صغار تغني لهم أمي أغانٍ أخرى، وكنت أسمعها وهي تترنم:" اشهد ياعالم علينا وع بيرت، اشهد ع الحرب الأهلية، والي ماشاف في الغربال يا بيروت، أعمى بعيون أمريكية".
وكبرْتُ، وكبرَتْ في عقلي أسئلة كثيرة: ماعلاقة الطفل الذي في المغارة وأمه مريم بالقدس؟ ولماذا يَلعنون الغربة؟ وكيف تكون أغنية "زغردي يا ام الجدايل" حزينة اللحن جداً هكذا رغم الزغاريد والجدائل؟ ولماذا تخرج الجنازة في عكّا من السجن؟ ومن هو المندوب السامي؟ وكيف يضرب التاريخ أحداً "كَفّ"؟ وماذا يعني أن يرجع الخَيّ أو تطل بارودة السبع دون أن يطل؟ ولم هو العراق جائعٌ مع كلِ موسمِ مطر؟ ومن هو "جْنوب" حبيب جوليا؟ ولماذا نغني لبيروت وللأعمى الذي لم أفهم لِمَ عيونه أمريكية؟.
وعاماً بعد عام، كنت أجد بعض الإجابات، وأعجز عن بعضها، لكنني كنت أتلقى كل الأغاني والأهازيج المتلاحقة في تلك الأعوام بذات الفهم العميق المستفسر عن كل شيء.
لقد كانت حينها الحياة بأحداثها المعقدة، وتاريخها المؤسف، وذكرياتها المؤلمة، كلها مدونة في عقولنا وقلوبنا على هيئة أغانٍ وأهازيج، وكانت لغة مشتركة يفهمها الجميع، تُترجِم مافي قُلوبهم وتصل بسهولة إلى غيرهم، فيتضامنون معاً ويغنون معاً كلٌّ لِحُزْن الآخر.
في غربتي -التي صِرْتُ اعرف معناها لاحقاً- في إحدى دول المغرب العربي، غنّينا للعراق، لبيروت، للجنوب اللبناني، لفلسطين، غنينا للحزن والأمل، الألم والفرح كلهم معاً، حتى لسراييفو -مع لطفي بوشناق- غنينا:" لا شيء هذا الخريف
سوى الحرب تدوي بصمت مخيف
وتسرق منك الخطى والرغيف"
وكانت مشاهد انتفاضة ٨٧ مسجّلة في أدمغتنا بشكل تلقائي بصوت "وين الملايين" و"ياحمام القدس نَوّح".
هذا هو الفن الذي كبرنا عليه، فتشربنا منه العمق والحب، تماماً كالحزن والأسى، وتضاعفَتْ معه أعمارنا أعواماً تخطينا فيها سذاجة الطفولة وسطحية الحياة.
واليوم -بعد أن صار لي أطفال- أحاول أن أغني لهم مثلما كانت تفعل أمي، فأُقَلّبُ صفحات الزمن، ولا أرى فيها ما يَسُدّ الرَّمَق، حتى أصِلَ إلى زمن "الفرتكة" و" المرجيحة" و"الطلقة الروسية" التي لم نسمع بها طوال عقود من الحروب التي لم تنتهِ!
وبغض النظر عن بعض المقطوعات الهادفة هنا وهناك، إلا أن الحالة العامة تبعث على الإحباط والاشمئزاز.
منذ ذلك الزمن لم يتغير في مآسينا شيء، بل زادت وتشعّبَتْ، وكَبُر حزننا وشاخ، غير أن إحساسنا بهم تضاءل واضمحل، وصار كُلٌّ "يُغَنّي على لَيلَاه"، ونسَوا أن "ليلى في العراق مريضة"، وفي الشام مريضة، وفي مصر مريضة، تنتظر الموت وهم يتراقصون لليلى أخرى غريبة تماماً!
لقد كانت تلك الترانيم في ذلك الزمان حالة عامة، لغة سائدة، يتبادلها الجميع، ويتفاعلون معها، يُعلّمونها أجيالهم فيرددها الصغار مع الكبار، ليكبروا على الحقيقة والإحساس الموهف العميق.
أما اليوم فلا أدري ماذا سأغني لأطفالي وقد صُدِمْتُ بالجواب بعد ثلاثة عقود: أنّه لم يتطور إحساسُنا الفني مثلما تطورت كوارثنا، بل تدهور ذاك بقدر ما تعاظمت هذه، فأعودُ إلى زمن أمي وأُعِيدُ الكَرّة من جديد!.
الجمعة، 5 مايو 2017
ماذا سأغني لأطفالي؟!
الجمعة، 10 فبراير 2017
غزة ومفارقة الحرب
المشهد الأول
قصفٌ هنا، وقنبلةٌ هناك، ارتجاحية مرة، وضوئية أخرى، استهدافات حقيقية أو بالونات هوائية، احتلت سماء غزة يوماً أو بضع يوم، لكنّها أعادت إلى ذهنها أياماً طوالاً من العذاب، وألقت حجراً في بركة الذكريات الأليمة التي تحاول الإبقاء عليها راكدة دون جدوى، شبحٌ حرب جديدة بدأ يلوح في أفق التخمينات، كلمة من ثلاث حروف يتداولها المحللون ووسائل الإعلام ونشطاء الإنترنت، بلا غضاضة، وهي ذاتها الحروف الثلاثة التي لا يجرؤ الكثيرون على لفظها، أو حتى إمرارها على قلوبهم، من هول ما رءوا من تتابعها عليهم، حتى منحتهم عن كل حرف حرباً!
تنجلي كل حرب عن غزة مثقلة بجراحها، متخمة بقبور أبنائها، بالية الجسد، مهترئة الروح، لا يعوّض الحصار ما فقد، ولا يرمم ما هدم، ولا يسمح ليدٍ تمتد لتمسح دمعها، أو تطبب جرحها، وكلما ضاقت السبل بجنرالات الاحتلال روحوا عن أنفسهم بحرب يمرنون فيها جنودهم، ويجربون ترسانتهم ويحصدون أصواتاً جديدة يوارون بها سوءة فشلهم.
حربٌ أخرى رابعة وستتخرج غزة من جامعة الحروب في عهد الحصار وحده، تلك المدينة التي مساحتها أصغر من أن ترى على الخريطة، وشهدت حروباً عددها يفوق عدد حروب العالم الكبرى مجتمعة، وعاش عجائزها -الذين كتب لهم البقاء إلى اليوم- ستة حروب، فقدوا في كل منها عزيزاً أو أكثر، وجددوا الدمع في كل مرة مضاعفاً عن سابقتها، حتى اختلطت عليهم الحروب وسنواتها وأعدادها، فأرّخوها بأسماء من فقدوا فيها!
توقظ كلمة الحرب معها القصص التي لا تحصى التي رويت عن أهوال الرحى الطاحنة، والحكايا الأكثر التي دفنت تحت الركام، وأمواتاً دفنوا في قبور مجهولة، والبعض الذين دفن ما وجد من أجزائهم، وغيرهم الذين لم يدفنوا أصلاً، وآخرين في حكم المجهول، لا يعرف لهم حال إلى اليوم، فتبعث مع كل ذلك دموع الخوف والرجاء من مآقي الذين لا زالت جراحهم تنزف.
يعلم أهل غزة أن الحرب لم تضع أوزارها، وأن بقيتها تابعة لا محالة لكنّهم يتمنون ألا تأتي هذه البقية وهم على قيد الحياة.
ارحموا قلب غزة المتآكل، ولا تطرقوه كل وهلة بذكر الحرب، فلم يعد فيه إلا بقية من تماسك تدخره للأيام السود التي قد تأتي، ولا تمهدوا لها خبر قدومها، فهي مدينة يؤمن أهلها جداً بمثلهم الشعبي القائل "وقوع البلا ولا انتظاره"!
المشهد الثاني
لا تحب غزة الحرب ولا تتمناها، لكنها لو وقعت، قامت من مرقدها، وربطت عصابة الأهبة، وشدت على الجراح، وتسلحت بعظام الشهداء، وزفرت في وجه الغزاة لهيب المعاناة، وأطلقت عليه دموع القهر، فإنها لم يعد لديها ما تخسره، سقطت كل الأسماء من قاموس الفخر العربي المتآكل، ولم يعد لعربي متسع من حزن ليجيب صرخاتها، فقد باتت ليلتها تبكيهم قبل أن تبكي نفسها، فوفرت صوتها لتنادي به أبناءها المخلصين الذين ولدوا في الحروب، وترعرعوا في الحصار، وشبوا في الظلام، واتخذوا باطن الأرض مسكناً، والبندقية خليلة، فقهرت بهم أعتى جيوش الظلم، وقلبت سحرهم على كبيرهم الذي علمهم السحر، حين ألقت بأبنائها في اليم ولم تحزن، لأن الله أوحى إليها أنه رادهم إليها، أو جاعلهم من المصطفين في جنان النعيم، فأغرقوا الطغاة في أرض الطهر التي لا تقبل النجس، حتى ألقوا عصيّهم هاربين وصاحوا إن هذا لسحر مبين.
في كل مرة تودع فيها غزة أبناءها يصبح فؤادها فارغاً، لكن الله يربط على قلبها، ويمنحها قوة جديدة، ويقيناً راسخاً، ويمدها بمدد من أجيال لا تخشى حياة لا تشبه الحياة، ولا تبالي بالطفولة التائهة والشباب البالي، أجيال تربوا على التضحية لأجل بلاد لم يروها، والموت لأجل القدس التي لم يزوروها، وأقسموا يمين العودة لأرض لم يعيشوا فيها، وتحرير فلسطين التي لم يسمعوا عنها سوى في حكايات أجدادهم.
أجيال تهزأ بالحرب، وتستخف بالجيوش، ويجمعها الصاروخ الساقط حوله بدلاً من أن يفرقها، أجيال تعتبر الحياة تحدياً لا تقبل خسرانه، ومدرسة تعلم من خلالها العالم أن العزة والكرامة شيءٌ لا يقدر بالمال، ولا يقاس بالسنوات ولا بالثروات، ولا يقف في وجه ثورانه شيء أياً كان.
احشدوا جيشكم لغزة العصية، فلن تجدوا فيها سوى الهزيمة، ولن تزال تحيا طالما يلاعب موج البحر رمال شواطئها، فيداويها ويحييها، ويعطيها أملاً وسلاماً حمله من شواطئ حيفا ويافا وعكا والمجدل، وألقاه على وجهها علّه يرتد بصيراً.
السبت، 21 يناير 2017
الانفصام "الأزرق"!
يُعرّفُ علم النفس الانفصام (أو الشيزوفرينيا) بأنه: اضطراب نفسي يتسِم بسلوك اجتماعي غير طبيعي وفشل في تمييز الواقع. لأن الشخص المصاب بهذه الحالة المرضية يختلط لديه الواقع بالوهم، والظن بالحقيقة.
وإن كانت هذه الحالة قليلة الشيوع مرضيّاً، إلا أنها منتشرة جداً عملياً، كيف؟
إن الكثير من البشر يصابون بحالة سوء فهم الواقع، وفهم الأشخاص الذين يمثلونه، فيعيشون بأحد مبدئين: إما أن الناس من حولهم فاسدون مفسدون أشرار، تجب مقاطعتهم وعدم الثقة بهم مطلقاً، وبالتالي معاملتهم بنفور كالمجرمين، أو أنهم رعاع تافهون لا يساوون ولا يفقهون شيئاً، وبالتالي معاملتهم بتعالٍ وتغطرس وفوقية، وهم -أي المنفصمون- يعتبرون أنفسهم ملائكة في الحالة الأولى، وصفوة المجتمع في الحالة الثانية! وهم في هذه الحالة يعيشون في عالم الوهم منفصلين عن الواقع، وعمن فيه، مصطدمين بهم انكساراً ومظلومية، أو تجبّراً وظلماً.
وقد تطورت حالات الانفصام الاجتماعي -كما أسميه- وتوسّعت حتى تعدّت النوعين المذكورين، وصارت سمة شائعة يمارسها الناس خاصتهم كعامتهم، كبيرهم كصغيرهم، مثقفهم كجاهلهم، ووجبة يومية يتناولونها ويتبادلونها بلا إحساس بالمرض، أو قصد للطبيب، أو طلب للدواء، في تجمعات كبيرة وتزايد مستمر.. إنه "الانفصام الأزرق"!
فعلى صفحات التواصل الاجتماعي، تجد الفاجر تقيّاً، والمجرم قاضياً، والفاشل باحثاً، والعدو صديقاً.. ولعل هؤلاء من حالات الفصام الواضحة التي تتميز بسهولة، وتعرف بسرعة، طِبقاً لمشاهدات الواقع، أو النقل عن مشاهديه.
أما النوع الآخر من "المُنفصِمين الزُرْق" فأقل وضوحاً، وأشدّ خطراً، وهؤلاء يحققون تماماً المعنى الحرفي للانفصام " الشيزوفرينيا"، إذ يعود أصل الكلمة إلى اليونانية، التي تعني: انقسام العقل، وصاغها لأول مرة العالِم يوجين بلولر في عام 1908. وإن كان بلولر يعني بوصفه ذاك مرضاً ذهنياً، فإنه أصاب -بعلم أو بغير علم- الوصف الدقيق لمرضى هذا الوباء السلوكي الخفي، الذي غزانا بعد قرن من الزمان!
إن انقسام العقل اليوم هو أحد أهم منتجات العالم الإلكتروني الوهمي، وخاصة صفحات التواصل، التي جعلت الناس من الطبقات الأكثر ثقافة، والأوفر تعليماً، والأعلى مناصباً من النوع السابق، يفكرون بغير ما يتبنونه من أفكار، ويقولون غير ما يعتقدونه، ويطبقون غير ما ينادون به.
كثيرة هي المبادئ التي أطلقها وتبناها على صفحات التواصل أشخاص لا يؤمنون بها، أو على الأقل بتطبيقها على أنفسهم، وما أوفر المسميات والمصطلحات والمفاهيم الشائكة التي لا يجدون غضاضة في التعاطي معها في العالم الافتراضي، ويحرمونها في عالم الواقع، وكم من أفكار ينشرها وينادي بها مفكرو الشبكات، يحظرونها في بيوتهم!! لا يمكن أن يكون مفهوم "انقسام العقل" أوضح منه هنا.
ولو تركنا جانباً قضية الصدق والواقعية والوضوح كمبادئ لا غنى عنها للأشخاص، فإننا لا يمكن أن نغفل أبداً قضية التربية لأجيال خرجت إلى الحياة وسط حالة الانفصام الفكري الشنيعة هذه، وقضية الثقة بين الشركاء والأزواج، حين تكون الحريات والعدالة والتعاون والحوار...إلخ شعارات وهمية هُم أول من يحرم منها، وقضية القدوة لأبناءٍ رأوا النور في ظل آباءٍ وأمهات لهم على مواقع التواصل ومنصات الفعاليات وجهٌ، وفي البيت وجهٌ آخر!
السبت، 7 يناير 2017
حينما سكنتُ المخيّم
المخيم.. كلمة أضيفت إلى قاموس الفلسطينيين عام 1948، مع سلسلة من الكلمات التي توالت حتى شكلت قاموس المأساة التي لم تنته، وتزداد كل يوم شدة، وحدة، حاشدة في قاموسها كل عام مصطلحات جديدة من المعاناة..
المخيم.. صارت كلمة دلالية، ما إن تذكر، حتى تتداعى معها كل معاني التشريد، والبؤس، والحرمان، والأمل المنطفيء الذي على أنقاضه يعيش أهل المخيم، ويقيمون، ويتمددون، لكن لا يغادرون، إذ لا إمكانية لمغادرته إلا للمكان الذي جاؤوا منه أول مرات التهجير..
في الخلاء، ثم في خيمة، ثم غرف من صفيح، ثم بعض بيوت مسقوفة من قرميد، وأخيراً حجارة تتخذ من الإسبست غطاءً، أو مبانٍ خرسانية، هكذا تطور مكوثهم، في ذات البقعة وعلى ذات المساحة، رغم تزايد أعدادهم، وتكدس مبانيهم، حتى تبدو كأنها قطعة واحدة، لا يفصل بينها سوى أزقة لا تتسع لشخص سمين، لتشكّل أكثر المناطق اكتظاظاً، وليس أدلّ على ذلك من مخيم الشاطئ، صاحب أعلى كثافة سكانية في العالم!
على الشاطئ الشمالي الغربي لمدينة غزة، على بعد أربعة كيلو مترات من قلب المدينة، أقيم المخيم، كما أقيم غيره من المخيمات تحت ضغط الأوضاع الإنسانية المزرية للمهجّرين، الذين استوطنوا الأماكن الفارغة، والخلاء، وسوافي الرمل على الشواطئ، حيث لا مكان يؤويهم، ولا قوة فيهم للسير أكثر مما ساروه على طول الساحل هروباً من مدنهم وقراهم!
وكالة غوث وتشغيل اللاجئين، أقامت المخيم بعد عام كامل من لهيب الصيف، وزمهرير البرد على رؤوس النازحين، أثقلهم حزنهم على الوطن المنهوب، وقضى على ما تبقى منهم سوء الحال، وكارثية العيش، حتى رأفت بهم خيام قماشية تحمل طبعة UN، تطير مع أول هبة عاصفة شتاءً، وتهترئ مع أول شعاع حارق صيفاً، ورقماً في سجل اللجوء الذي توزع بعد ذلك عليهم كروتاً تمكنهم من الحصول على الطعام والعلاج.
أنشئ المخيم أول الأمر على مساحة خمسمائة وتسعة عشر دونماً، يضم بين جنباته ثلاثة وعشرين ألف لاجئ، تزايدوا على مرّ السنين، ليصبحوا اليوم أكثر من مائة ألف.
في السنوات الأخيرة فقد المخيم –الذي يعد ثالث أكبر مخيمات القطاع- الكثير من شهود النكبة، متوفين بعد انتظارٍ طال، أسلموا الروح، بعد أن تركوها هناك معلقة على أشجار الجميز، وجذوع التوت، ونوافذ المنازل، وأسوار الحواكير، ودواليب السواقي، ولم يزل يربطهم بها خيط دقيق من الأمل يبقيهم على قيد الحياة، أخذ يضعف مع السنين شيئاً فشيئاً، حتى إذا انقطع، انفصلوا عن الحياة، إذ لا حياة بدون روح!
أقامت وكالة الغوث على أرض المخيم، بعض مراكز الخدمات الحياتية، عيادة، ونادٍ، ومدرسة، ومراكز تموينية، محاولة أن تجعل الحياة تسير بشكل طبيعي، وأن يتوطن الناس في المخيم براحة ويعتادوا العيش كأنهم في بيوتهم، لكنهم لم يتوطنوا، ولم يعتادوا، ولذلك لم يتركوا المخيم، ولم يتخلوا عن اسمه، ليذكروا أنفسهم دائماً بالقضية الأولى، والحقيقة الكبرى: أنهم مهاجرون في انتظار العودة.
مرت السنوات، وامتد قاموس المأساة وتضخم، وصار للتشريد أبناء وأحفاد، يتكرر كل عامين أو ثلاثة، ليحمل النازحين أصلاً على النزوح من مناطقهم، إلى نزوح ثانٍ، ثم ثالث، أو أكثر، حسب أعداد الحروب التي طالتهم، تحت قبة الحصار الذي تتفاقم برعايته كل الكوارث، حتى صار التمييز في مخيم الشاطئ بين ماء الشرب وماء البحر أمراً صعباً، واكتملت فصول المعاناة مع الوضع المعيشي الصعب، والكثافة العالية، وانتشار البطالة، وضعف البنى التحتية، حيث لم يتغير الوضع كثيراً في بيوت اليوم عن خيام عام تسعة وأربعين، فأقل يوم ماطر يغرق ثلثي المخيم في مياه الأمطار، ويسد أزقة التنقل، ويغلق منافذ الخروج!
حمامة، والجورة، والمجدل، ويافا، واسدود، هي أبرز البلدات التي هجر منها سكان المخيم، مختلطين مع مهجرين آخرين من مدن وقرىً أخرى، فرقتهم البقع الجغرافية، وجمعهم اللجوء، مشتغلين في حرفٍ مختلفة، بعد أن فقدوا أراضيهم ومصادر رزقهم، أهمها: الصيد، وبعض الوظائف في مرافق وكالة الغوث، والعمل في الداخل المحتل أجراء عند من سرقوا بلادهم! وحتّى الأخيرة لم تستمر، ومنعوا من العمل بعد اندلاع الانتفاضة الثانية، انتفاضة الأقصى.
تقاسموا الأفراح والأتراح، كما تقاسموا الخيام والألواح، وعاشوا معاً معاناة "لمبات الكاز"، والحمامات العامة، والمياه المتنقلة، وقنوات الصرف المكشوفة، وحفروا معاً الخنادق ليحتموا بها في حربي ستةٍ وخمسين، وسبعة وستين، ولم يعلموا أنها لو طالتهم، لجعلت تلك الخنادق قبورهم التي نزلوها باختيارهم، وانتظروا سوياً مطلع الثمانينات، لتمن عليهم يد وكالة الغوث ببناء غرف ومنازل من الطين والقرميد، والحجارة والإسبست، ولتكون لهم شبكات مياه، وقنوات للصرف.
وعاش المخيم وتوسع، وأصبح رمز الصمود والتحدي، وكبر أطفاله وترعرعوا على أمل العودة، وتربوا على حلم الرجوع، ونبغ منهم قادة ومجاهدون، ومفكرون ومثقفون، علماء وحملة قضية، ولم ينسَ أحد منهم فضل المخيم في تعليمه معنى الوطن، ومفهوم القضية، وفاجعة اللجوء!
واليوم، فيما تزداد وكالة الغوث تقتيراً في خدماتها للاجئين، وتنصلاً من مسئولياتها تجاه القضية، تزداد رقعة المخيمات على أرض العروبة، وتتكرر المعاناة بأشكال وألوان أخرى، ويزداد المخيم بؤساً، ويزداد قاموس المأساة تضخّماً!