الاثنين، 21 نوفمبر 2016

كونشرتو الغربة

لو كانت الغربة لحناً، لكانت أكثر الألحان شجناً، وألماً، حباً وأملاً، ولابتدأ منذ عصر أول المنفيين عن بلاده، وما انتهى إلا بانتهاء الزمن، ولاستطال صف عازفيه حتى غطى الأفق، ولارتعشت معه قلوب وذرفت عيون لا حصر لها ولا عد، لكنها مقطوعة كونشرتو يعزفها القلب وحده.
الكونشرتو لدى أرباب العزف نوع من التأليف الموسيقي وضع لآلة واحدة أو لعدة آلات تقوم بأداء الدور الرئيسي، أما الفرقة الموسيقية فتكون مرافقة لها فقط، بحيث يتكون أطولها من أربعة مقاطع متناغمة متصلة تتغير علاقة الآلة الرئيسية فيها بعزف الفرقة المصاحب تفاعلاً واتصالاً أو استقلالاً وانفصالاً.
وما أشبه الغربة في القلب بهذا التكوين الموسيقي، يدندنها على أوتاره متماهياً مع هذا العالم أو منقطعاً عنه، في كل قطعة منها لوحة من شعوره، وهزة من ارتجافه، وضجة من نبضه، وغصة من مرارته!

المقطع الأول - الغربة البرعم
حينما كنا صغاراً، تفتحنا على أرض غريبة، لا يتكلم فيها الناس كوالدي، ولايرتدون كجدتي، ولا ينظرون إلينا كما ينظرون لبعضهم، فتفتح برعم الغربة معنا قريناً ينمو ويكبر، ويتطور، منذ التصق بنا مصطلح "المغتربين" في أول يوم على مقاعد الدراسة، وجمعنا شتاتنا في المدرسة في "شلة" واحدة تتخذ ظل زيتونة في ساحة المدرسة مقراً لها، نلملم ضعفنا ليقوّينا، ونلملم حبات الزيتون ندقها ونأكلها مباشرة لتمدنا بشيء من رائحة الأرض، وطعم الوطن!
منذ أن بدأنا نحاول تكوين الصورة المبعثرة في عقولنا، من أحاديث الأهل، وقصاصات الرسائل، وحكايات الجدة، وصور العائلة، ورائحة الزعتر في هدايا الأقارب المرسلة مع القادمين،
كما نحاول تكوين أجزاء لعبة "puzzle" معقدة التركيب، تحمسنا أحياناً وتحبطنا أخرى، تفرحنا مرة، وتتعبنا مرات.
وحين اكتملت الصورة، كانت في أبهى حلة، وأروع تكوين، انتشينا بها حتى صارت حديثنا للجميع من حولنا، وحفظنا تفاصيلها وكررناها حكايات حب، حتى اشتقنا لأناس وأماكن وأشياء لم نعرفها قط..تمكّن منا الوطن كما تمكنت الغربة، كانت تمده بالقوة والكمال والبهاء، وتمدنا بالأمل والتباهي والانتظار..

المقطع الثاني - الغربة الوطن
"حين نرجع للوطن سنجد فيه أجمل من كل ما رأينا، سننعم ونأمن، ونحلم" بهذه الكلمات كبرنا أكثر، وطارت قلوبنا فرحاً لكنها لم تكن تأهبت لحقيقة صادمة: أن ترجع للوطن فترى فيه من الغربة أكثر مما رأت خارجه!
صار الوطن طيراً مذبوحاً، أعطونا منه ذيلاً، وحفنة من ريش، وأوهمونا أننا سنحلق لا محالة حين يبعث الطير فيطير!
وقلت لأمي: لو أنهم أعطونا الجناح، لتمكنا من إيقاظه من موته، لمَ لمْ يعطونا الجناح يا أمي؟! صمتت أمي، وتكلمت دموعها، لم أفهم منها الكثير لكن الأيام المتتابعة والدموع المتتالية كانت كفيلة بالشرح..
فزعنا إلى مساحات الغربة في القلب، نحتمي بها من وطن غريب، فقد بنينا فيها هناك وطناً جميلاً، لم تضع فيه دماء الشهداء هدراً، ولا مات المهجرون في منافيهم، ولا ابتلع القدس جدار، صرنا غرباء في الوطن، وظلت الغربة لنا وطناً!

المقطع الثالث - الغربة النضج
نضجنا، وبدأنا نفهم الحياة، ونضجت الغربة فينا، فأصبحت أعمق، كانت غربة الطفولة حلماً، وغربة الصبا وطناً، أما غربة النضج فهي الحمل الثقيل!
عندما تغترب فاهماً واعياً تشعر أن الوطن بداخلك غريب أينما حملته، لا وجود له إلا في قلبك، ولا تراه سوى في عيون أبنائه المتجمعين ليكونوا وطناً لبعضهم البعض، وفي عقول الثوار المنفيين، وفي ترانيم المتجمهرين في المناسبات الوطنية، وفي شعارات الساسة قبيل الانتخابات، وفي شفقة الإنسانيين من سكان هذا العالم، صار الوطن أصعب، لكنه صار أجمل، صار أثقل لكن أغلى، صار أبعد لكن أطهر..

المقطع الرابع - الغربة الإدمان
في الغربة يتمدد الوطن فينا فيستولي على كل مساحات الروح، ويتجلى كأنه قاب قوسين أو أدنى، ونحمله على أكتافنا كوفية فخر، وعلى رؤسنا علم عزة، في الغربة ينتفي الإحساس بقسوة الوطن، ويختفي الشعور بظلم الأرض، ويتبدد الاعتقاد بجور البلاد، فتظل عزيزة، ويظل أهلها كراماً..
يستولي علينا هذا الإحساس الجميل، فتأخذنا نشوة المناضل، وندمن غربتنا الجميلة، التي تدفعنا لحب وطن خلقته فينا، وزرعتنا فيه، وحملتنا إياه أمانة لا تسقط، وحقاً لا يلغى، وذاكرة لا تمحى، وحقيقة تأبى الإخفاء..

الثلاثاء، 1 نوفمبر 2016

جهاد المكوث

"مُرابطُون علَى أرْضِ الرّباط" لِفَتْرَةٍ طَوِيلَةٍ كانَ هذا شِعارَنا الذّي تَرَبّينَا علَيه وغُرِسَ فينا، وتَعَلّمْنَاهُ عِلْماً وعَملاً، وعلّمَنا أساتِذتُنا أن نُجَدّدَ نِيّةَ الرّباطِ كلَ يومٍ وليلة، كانَتْ ثمّةَ قوةٌ عظيمَةٌ في استِحْضارِ هذا المفهُوم، تقوّينا أمامَ كلِ الصُّعوُبات، وتُصبّرُنا على كلّ مكرُوه، وتزِيدُنا تجَذّراً في أرضنا، كيفَ لا ونحن نتَوسَّمُ أن نكُونَ من قصَدَهُم رسولُ اللهِ صلّى اللهُ علَيْهِ وسَلّم بقوله: " لا تزال طائفةٌ من أمّتي على الحقّ ظاهرين، لعدوهم قاهرين،  لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ وَلا مَا أَصَابَهُمْ مِنْ لَأْوَاءَ حَتَّى يَأْتِيَهُمْ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَذَلِكَ" قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَأَيْنَ هُمْ؟ قَالَ: "بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ وَأَكْنَافِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ"
ولم يزَلْ مُنْذُ ذلكَ الحين يتَغرّبُ فينا الحق، ويتكاثَر عَلينا الأعداء، وتشتدُّ علينا اللّأواء، ويُؤذينَا من خالفونَا في النّفْسِ والمالِ والولَدِ، بل وفي الدّين! ومَع كُلّ مِحْنَةٍ تظهرُ حقيقَةُ الرّباطِ، وتزْدادُ المُجاهَدةُ للوصُولِ إِلَيْهِ والثّباتِ علَيهِ برِضىً وسعادة، وتتقلّص أعداد هذه الطّائِفة إيماناً أو عمَلاً..فكم مِنا حمَل هذا المَبْدَأ شعاراً؟ ثُمّ إذا ضاقَتْ ظَنَّها لا تُفْرَجُ! وكَمْ انزَلَقَتْ أيدِينا عن التمسُكِ بالرّباطِ مع كُلّ هزّةِ ابتلاء! فانفلَتْنا مِنْهُ رُوَيداً رُوَيداً رَغْمَ دُخُولِ الوَقْتِ الفِعْلِيِّ لتحقيقِه، وصارَتْ الهجرةُ والمغادرةُ أولى أُمنِياتنا، وأصْبَحَ المُكوثُ في أرضِ الرّباطِ إجباراً لا اختياراً، فضْلاً عن أن يكُونَ فِعلَ مُقاوَمة يُرْجى منه الأجرُ والثّواب..
لقد نسينَا في غَمْرَةِ الحياةِ القاسيةِ مفهُومَ الرّباط الحقيقيّ، وتذرّعنا بأنّهُ مامِنْ جهادٍ فِعْلِيٍّ نمارسُهُ ببقائنا مقموعينَ مُحاصرين تحتَ طائلةِ التّنكيل في أي وقتٍ من قِبل الاحتلال، مضطرّينَ للخَوف والتّحفُظ والمُوارَبة، في حين بإمكانِنا الجِهادُ بكل ما أوتينا لِنُصْرَةِ قضيّتِنا لو مُنِحنا حياةً آمنةً كريمة عل  أيّة أرضٍ أخرى من أربابِ الحريات، لكنّنا في الحقيقة نخدعُ أنفسَنا قبل أن نخدع الآخَرين! فإن كُنّا ضِقنا ذرعاً بالبقاء على أرض الرّباط -مجرّد البقاء- فقد رسبنا في أول امتِحان..
بقاؤنا عل  هذه الأرض جهادٌ من نوعٍ آخر أدْركناهُ حديثاً خاصّة مع موجة الرحيل الاختياري الجماعي التي تجتاح القطاع، هو "جهادُ المكوث"، وهو أول أنواعِ الجهاد، وآخرُها..أيسرُها، وأصعبُها في ذاتِ الوقت..فإذا فشلنا في اجتيازه، هل تُرانا ننجح في سواه؟؟!!

أحِبُّ السّلطان (2)

إلى هُنا كان يأخُذُ بيدِه صاعِداً أعلى القمّة، لِيُرِيَه المدينةَ المنيعةَ من عَلٍ..
الشيخ آق شمس الدين، معلّم السلطان محمد الفاتح، كان يصطحبه إلى هذه التلة –الّتي أصبحت الآن مزاراً سياحيّاً شهيراً باسطنبول يُعرف باسم "تلّة العرائس"- منذ كان عمره اثني عشر عاماً، مُشْرِفاً على القسطنطينية بأسوارها الأسطورية، وسدّ الماء المنيع الذي يحط بها كسُورٍ طبيعيٍّ آخر، وكان يشير إليها باستخفاف مخاطِباً السلطان: أتَرَى هذه الجوهرة التي ما فتِىءَ الأبطال يتساقطون عند أسوارها؟ إنّكَ أنت من سيفتحها، وإنّك أنتَ من قصَدهُ رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: «لَتُفْتَحَنَّ الْقُسْطَنْطِينِيَّةُ فَلَنِعْمَ الأَمِيرُ أَمِيرُهَا، وَلَنِعْمَ الجَيْشُ ذَلِكَ الجَيْشُ».
وكان يُكَرّرُ الرّحلة كل يوم..كل يوم..دون تعبٍ أو مَلَل، حتّى تيقّن الفتى السلطان، أنه هو تحقُّق النبوءة، فانتَظَر..وانتظرَ معهُ الشّيخ الذي صَنَع الفَتْح قبلَ حدُوثِهِ بعشرَة أعوام..