السبت، 21 يناير 2017

الانفصام "الأزرق"!


يُعرّفُ علم النفس الانفصام (أو الشيزوفرينيا) بأنه: اضطراب نفسي يتسِم بسلوك اجتماعي غير طبيعي وفشل في تمييز الواقع. لأن الشخص المصاب بهذه الحالة المرضية يختلط لديه الواقع بالوهم، والظن بالحقيقة.
وإن كانت هذه الحالة قليلة الشيوع مرضيّاً، إلا أنها منتشرة جداً عملياً، كيف؟
إن الكثير من البشر يصابون بحالة سوء فهم الواقع، وفهم الأشخاص الذين يمثلونه، فيعيشون بأحد مبدئين: إما أن الناس من حولهم فاسدون مفسدون أشرار، تجب مقاطعتهم وعدم الثقة بهم مطلقاً، وبالتالي معاملتهم بنفور كالمجرمين، أو أنهم رعاع تافهون لا يساوون ولا يفقهون شيئاً، وبالتالي معاملتهم بتعالٍ وتغطرس وفوقية، وهم -أي المنفصمون- يعتبرون أنفسهم ملائكة في الحالة الأولى، وصفوة المجتمع في الحالة الثانية! وهم في هذه الحالة يعيشون في عالم الوهم منفصلين عن الواقع، وعمن فيه، مصطدمين بهم انكساراً ومظلومية، أو تجبّراً وظلماً.
وقد تطورت حالات الانفصام الاجتماعي -كما أسميه- وتوسّعت حتى تعدّت النوعين المذكورين، وصارت سمة شائعة يمارسها الناس خاصتهم كعامتهم، كبيرهم كصغيرهم، مثقفهم كجاهلهم، ووجبة يومية يتناولونها ويتبادلونها بلا إحساس بالمرض، أو قصد للطبيب، أو طلب للدواء، في تجمعات كبيرة وتزايد مستمر.. إنه "الانفصام الأزرق"!
فعلى صفحات التواصل الاجتماعي، تجد الفاجر تقيّاً، والمجرم قاضياً، والفاشل باحثاً، والعدو صديقاً.. ولعل هؤلاء من حالات الفصام الواضحة التي تتميز بسهولة، وتعرف بسرعة، طِبقاً لمشاهدات الواقع، أو النقل عن مشاهديه.
أما النوع الآخر  من "المُنفصِمين الزُرْق" فأقل وضوحاً، وأشدّ خطراً، وهؤلاء يحققون تماماً المعنى الحرفي للانفصام " الشيزوفرينيا"، إذ يعود أصل الكلمة إلى اليونانية، التي تعني: انقسام العقل، وصاغها لأول مرة العالِم يوجين بلولر في عام 1908. وإن كان بلولر يعني بوصفه ذاك مرضاً ذهنياً، فإنه أصاب -بعلم أو بغير علم- الوصف الدقيق لمرضى هذا الوباء السلوكي الخفي، الذي غزانا بعد قرن من الزمان!
إن انقسام العقل اليوم هو أحد أهم منتجات العالم الإلكتروني الوهمي، وخاصة صفحات التواصل، التي جعلت الناس من الطبقات الأكثر ثقافة، والأوفر تعليماً، والأعلى مناصباً من النوع السابق، يفكرون بغير ما يتبنونه من أفكار، ويقولون غير ما يعتقدونه، ويطبقون غير ما ينادون به.
كثيرة هي المبادئ التي أطلقها وتبناها على صفحات التواصل أشخاص لا يؤمنون بها، أو على الأقل بتطبيقها على أنفسهم، وما أوفر المسميات والمصطلحات والمفاهيم الشائكة التي لا يجدون غضاضة في التعاطي معها في العالم الافتراضي، ويحرمونها في عالم الواقع، وكم من أفكار ينشرها وينادي بها مفكرو الشبكات، يحظرونها في بيوتهم!! لا يمكن أن يكون مفهوم "انقسام العقل" أوضح منه هنا.
ولو تركنا جانباً قضية الصدق والواقعية والوضوح كمبادئ لا غنى عنها للأشخاص، فإننا لا يمكن أن نغفل أبداً قضية التربية لأجيال خرجت إلى الحياة وسط حالة الانفصام الفكري الشنيعة هذه، وقضية الثقة بين الشركاء والأزواج، حين تكون الحريات والعدالة والتعاون والحوار...إلخ شعارات وهمية هُم أول من يحرم منها، وقضية القدوة لأبناءٍ رأوا النور في ظل آباءٍ وأمهات لهم على مواقع التواصل ومنصات الفعاليات وجهٌ، وفي البيت وجهٌ آخر!

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق