الثلاثاء، 17 أبريل 2018

داخل السجن الكبير وخارجه

للموتِ أحوالٌ وأنواع..ومواضِعُ نخْتبِرُ فيها الموتَ بمعنىً آخر..فبمقدارِ نقصِ مظاهرِ الحياة لدينا، تزدادُ مِساحةُ الموت فيها، وفي غزّة كل أنواع الموت التي عُرِفت، ولم تُعْرَف، فمن لم يدْفِنْهُ صاروخٌ تحت رُكامِ بيته، دُفِنَ حيّاً كل يومٍ بغُبارِ الذكرى لأحبّتِه الذين دَفنهم ذلك الصّاروخ ونجا هو، ومَنْ لم يمُتْ جوعاً ماتَ كُلّما رأى أصحابَ الكُروشِ المُتخمة على شاشاتِ الإعلام وهُم يبيعون جوعَهُ ليَزِيدوا تُخْمة، ومَن لم يفتِكْ به الجَهْلُ، تهاوى أمامَ الزّمنِ الذي يجْرِي بالعِلْمِ ولا ينتظِرُ أحداً، ليُدرك َ أن العلمَ "لو فِي الصّين" لكان أسْهَل منهُ خلْفَ الجِدار، ومن لم يقتُلْهُ المرَضُ قتلهُ المعبر!!
وللِحَقِّ فإن بعض الأوقاتِ تسْمَحُ لبعضِ الموتى بتذوقِ الحياة، فقلتُ كما قال تمِيم :" لرُبّما هي نعمةٌ"، غير َ أنها كانت في سياقِ موتٍ آخر من نوعٍ جديد، فمعاناُة المُحَاصرِ المَسْجُونِ داخلَ مِساحةٍ مُحدّدة، مقْمُوعاً مُحَجّماً، كمُعاناةِ الرّئةِ حين تُقَتَّرُ عليها كميّاتُ الهَواءِ: في اختناقٍ دائِم!
إن ذلكَ المَسْجُون، إذا أُطلِق سَراحُهُ تذوَّقَ الحُرّية، وبُعِثَ من بعد مَوتِه، و رأى من جمالِ الحياةِ التّي هي أدنى حقوق البشر، وربما البهائم، ما لاينالُه إلا في الأحلام، ومِن كَرامةِ العَيشِ ما لم يسْمَعْ عنه إلا في الشعارات المرفوعة في التّظاهُراتِ المُتضامنةِ مع موته، ومن إنسانِيّة الإنسانِ ما أنْساهُ أنه بشر..
هكذا يرى الخارج من غزة نفسه، ويراها.. لكن هذه الرؤية لا تكاد تخلو من منغّص، فهو بين أمرين: إما التحسّر على ماقضى من عمره تحت خطّ الآدمية، والغصّة على من تركهم هناك بعد أن سُمح له باللحاق بقطار البشر، وإمّا الإحساس بالذنب -ولو خفاء- إذا ترك لنفسه التمتع بتلك الحقوق، والانغماس في الثوب الجديد، فيورثه الأول هماً وحزناً جديداً، وغماً من نوع آخر، ويورثه الثاني غَصّة تُقحِم نفسها في كل لحظة جميلة.
لكن المنغّص الأكبر إذا عاد بعدَ ذلكَ ناكِصاً علَى عَقِبَيهِ لِيَقبَعَ فِي سِجْنِه من جديد..ليَمُوتَ بالمُقَارَنةِ أكثرَ مِمّا يَمُوتُ بالواقِع!!
لطالَما كانَتْ غزّةُ سِجْناً كَبيراً، لكنَّها صارتِ اليومَ مقبرةً ضخمة، يرى الناظِرُ سُكّانها أمواتاً غيرَ أنهُم أحياءٌ عندَ ربّهِم يُرْزَقون، ويظُنُّ أنهُم انقطعوا عنه، والحقيقةُ أنهم يَرَونه ويسمعُونهُ ويردّون عليه، وإذا تيقّنَ بجهلِهِم بالواقع وغيابِهِم عن العالَم، فوجِئ بزياراتِهِم في عالمِ الرُّؤى يشرَحُونَ الواقِع ويلومونَ على الماضِي، بل ويتنبّؤون بالمستقْبَل..
ف"إذا رأيتَ نُيُوبَ الليثِ بارِزَةً ** فلا تَظُنّنَ أنَ اللّيثَ يبْتَسِمُ!
إذا كان اللهُ لا يجمَعُ على عبْدٍ خَوْفَين، فإنّهُ أرحَمُ من أن يَجْمَعَ على أهلِ غزّةَ موتين، وإنّي لأرجو أن تكون موتةُ الذين مَضَوْا مجرّدَ شكْلٍ آخر من أشكالِ مَوتَتِهمُ الأولى لا يذوقون فيها عذاباً ولا ضنكاً..
يبدو لأهل هذه المدينة الموتى أنها تَلفِظ أنفاسها الأخيرة، ولا يخطئ المتفحّص في وجهها لونَها الشاحب، تتوالى عليها العلل واحدة تلو الأخرى، حتى إذا كان أمل الشفاء من السابقة، بعثرته اللاحقة، فيسيرون في شوارعها كالمخدرين، يُمضون حياتهم بشكل آلي، وقد يئسوا من أن يجيء عليهم حال خير من هذا الحال!
وإن كانت هذه المدينة الجَلِدة قد استسلمت للموت أخيراً، فإن موتها لن يأتي سهلاً، ولن يمرّ دون ضجيج، بل ستفاجِئ الجميع بـ"صحوة الموت" التي ستمكنها من أن تنقضَّ على كل من نسيها، تجاهلها، آذاها، آلمها، خانها، أو أسلمها، فترسل بهم إلى الجحيم، قبل أن ترحل! لأنها حينها لن يكون لديها ما تفكر فيه، أو ما تخسره..
وربما بعدها سيصحو مولود من بقاياها، ليجد العالم حوله أنقى.. وأجمل.
وإن كان من يعانون خارجها إحدى الغصتين: الألم أو الذنب قد شهدوا ذلك الموت وهذا الميلاد، فليحملوا ما تبقى معهم من رائحة هوائها، ولون ترابها، وصوت مآذنها، وليسترجعوا الذاكرة المهملة، ويستجمعوا الحكايات المعطلة، ويعودوا بها جميعاً إلى ذلك المولود، ليعيدوا بناء مدينة لم تزل كل صروف الدهر عاجزة عن محوها من التاريخ!

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق