لا أؤمن كثيراً بالكتابة عن الشهداء، فما قدّموه فوق كل كلام، ولن يملك لهم ما نقول ضراً ولا نفعاً، ولن يزيد قلوبَنا سوى حزنٍ ولوعة، لكن بعض التجارب تأبى إلا أن تتمرد على دفائن النفس، وتخرج من قمقم العقل، ولم تزل بي هذه الكلمات تُدافعني وأدافعها، وتُراوِد قلمي عن نفسه فيستعصم، حتى اختمرت في محبسها ونضجت، وتفتقت عن وعي وخبرة بعد سنين خمس من تبدُل الأوضاع والأحوال، والمعاش والمآل، والظروف والأحداث، وكرامة لزوجات الشهداء انصعت للكلمات واخترت أن أكتب عنهن ولهن وأنا أقلهن شأناً وتجربة.
لا أبالغ إن قلت إن سنيناً خمساً ليست سوى أولى مراحل الفقد التي تتراوح بين الصدمة والذهول، فالوحدة والوحشة، والخنوع والاستسلام، ثم الحرب والمواجه ، والبدء بحياة أخرى وواقع جديد.. وبين ثنايا ذلك كله أطنان من الفكر والرأي، الحيرة والتردد، والسهر والتأمل، حتى إذا انقضت هذه السنون وتوزعت في زوايا الذاكرة وانحصرت في أعماق الشعور، صارت أكثر وضوحاً للرؤية وأسهل حُكماً للعقل وأقرب قراراً للقلر، فكأننا نكون في أرض معركة لا يميّز الداخلُ في معتركها طريقَ النجاة من الهلاك، أو فريق الحق من الباطل، ومهما تمتع به من نظر ثاقب وحسن تقدير فإنه لا يستطيع أن يرى الحقائق والنتائج إلا بعد أن ينجلي غبار المعركة، وتهدأ ثورتها، وتسكن أصواتها، حتى لا يكون في آذاننا وقر ولا على أبصارنا غشاوة.
الشهداء بالنسبة للفلسطينيين فئة من فئات الشعب، تشغل أحد بنود تصنيفه، تماماً كالرجال والنساء والأطفال هناك أيضاً: الشهداء، وكل فئة لها منهم جزء مقسوم، هذا الجزء بالنسبة للرجال هو دليل وطنيتك وشرفك وصدق انتمائك، وما لم تقدم هذا القربان فأنت مخروم الوطنية مقدوح الانتماء، يحمل كل منهم نصيبه من الشهداء: أباه أو ابنه، أخاه أو عمه، جده أو حفيده، وسام شرف يباهي به كلَ فرحة ويُقارع به كلَ نازلة.
وبالنسبة للنساء، هو أغلى جزء من القلب انتزعنه صورة تزين حائط المنزل، كتحفة لا تضاهى ولا تقدر بثمن، فيعلقنها في أكثر الزوايا فخامة وحظوة تماماً كمكانة صاحبها من النفس.
وبالنسبة للأطفال هو أكثر ما يباهي به الشبل بين أقرانه، وأعز ما ينتسب إليه، وأثمن ما تحمله الفتاة لها اسماً وتحسه فخراً، أذا مرّوا في "الحارة" فرأوا صورته معلقة على جدار، أو اسمه مخطوطاً على حائط يراها ويقرؤه الرائح والغادي.
الشهداء بالنسبة لغزة حدث يومي وخبر متكرّر، يتجدد مع كلِّ منهما ذكرُ من سبقوا، ودمع أحبابهم، وجراح كلِّ مكلوم مهما مرّ عليهم الزمن، فكأنهما لكلٍّ وِرده اليومي من الحزن: حديثِ عهد به أو مُحدَّث!
لأجل ذلك لا يثير مُسمّى "زوجة شهيد" في النفوس غرابة أو تفاجؤاً، فقد صارت رتبة شائعة، وإن كانت رتبة شرف وافتخار.
لا يحق لي -أو لأي شخص كان- الحديث باسم زوجات الشهداء، فلكل منهن حديثها المتفرد وقصّتها العجيبة، لكن بعض "المصائب يجمعن المُصابينا":
في غزة كل أنواع الموت التي عُرِفت، ولم تُعْرَف، فمن لم يقتنصه جندي ممترس خلف جدار، دفنهُ صاروخٌ تحت رُكامِ بيته، ومن أفلتَ من معارك حرب ضروس، طحنته رحى أختها، ومن لم يقتُلْهُ المرَضُ قتلهُ المعبر!!
وإن كانت "الصدمة الأولى" هي الوصف الذي منحه النبي لخبر الموت، فهو كلام من لا ينطق عن الهوى، ومهما كان هذا الخبر "متوقعاً" أو "منتظَراً" لن يخرج عن كونه صدمة، وإن كانت صدمة العروس التي خرج زوجها صباحاً سليم الجسم مكتمل البدن وافر الصحة والنشاط، وعاد إليها جثة هامدة تختلف عن صدمتي وأنا أشهد أنفاسه الأخيرة على سرير المرض الذي نهشه أربع سنوات نتيجة لإصابته، وتختلف عن صدمة أم الأبناء الثلاثة أو الأربعة أو ما يزيد، وأنا أم لابنة وحيدة، وتختلف عمن ودّعت تابوتاً مغلقاً يخبئ أشلاء زوجها ويحرمها من أن تقبل-مثلي- جبينه النادي لتطمئن أنه نائم نومة العروس فرِحاً بما آتاه الله من فضله، وتختلف عمن كسر الزمن ظهرها القوي وسندها الوحيد وتركها وحيدة وسط أشخاص يطلق عليها مجازاً اسم "عائلة" بعد أن رحلت معه كل معاني الأسرة والاحتضان، فأنا التي قد حُبيتُ بعائلتين ووظيفة، غير أن ذلك كله لا يغير من تفاصيل الصدمة شيئاً.
لكن الجميع حينها يشتركون في "الصبر"، أيقونة هذا الشعب، الصبر في بيوت الشهداء أوضح وأجلى ما يكون، منحة إلهية مكفولة، وهدية ربانية ملحقة بكل جثمان طاهر، طأنه جزء من الطقوس، مدرسة يعيّن الله فيها مساء كل شهيد أساتذة جدداً ينضمون إلى حكايات التاريخ.
غالباً تقضي زوجة الشهيد أيامها الأول ذاهلة عن كل شيء، لا تحسن سوى البكاء، وتغط في حالة من الإنكار لواقع لا يمكن تصديقه، وتترك كل مسائل الحياة المادية بين يدي مَن حولها، يديرونها كيف شاؤوا، شاملة أمور الإرث والبيت والمال والأبناء، ولا تنتبه حتى إن كان ذلك برضى منها أو بغيره، برضى "الله" أو بدونه!
تسمع وترى أشياء عجيبة ما بين الشّفقة والوصاية، الطمع والقمع، بل وحتى اقتراحات لمشاريع زواج جديد!
تعيش حالة من التشتت النفسي أقرب إلى مرض يصعب فهمه وتفسيره أو اكتشافه والاعتراف به، فينال من المنطقية والاتزان والحكمة في كثير من أفعالها وأقوالها.
تصبح الذاكرة أكثر حدة، والأحداث الماضية أكثر تفصيلاً، وتصبح استعادتها مراراً واجباً مقدساً، وتصير الأذن أكثر حساسية لحديث الناس عنه، تلتقط أية قصة وتتشبث بكل رؤيا وتلتهم جميع التفاصيل.
بعد حين تصبح المعركة أمراً واقعاً لا بد منه، معركة الحياة والأمانة الثقيلة، والخانة الفارغة التي عليها ملؤها في نظر الأبناء، فتقف على قلبها وتبتلع حزنها، وتخنق دمعتها وترتدي زي الحرب، وتنطلق في وجه الحياة والظروف والمجتمع.. لتصبح مفخرتها ذات شقّين: بزوجها ميتاً، وبنفسها بعده حية.
وبعد أن يشيب الجرح يبكين مع كل شهيد جديد، ويجددن الحزن مع كل أرملة، ويبايعن الذكرى على اجترارها والألم على استدعائه، يحتضِنن الوافدة الجديدة لعلهن يكُنّ لها سلوى أو يجعلنها سلواهن!
لم يسبق لي أن قابلت زوجة شهيد ليست محط الأنظار، ولم أصادف من لا تحسد على نجاحها في معترك فشل رجال في الصمود فيه، هناك سيلٌ من الصعاب والمتاعب والعقبات والهموم التي واجهنها تضيق عن ذكرها مجلدات، وهناك زوجات لا يفيهن وضعُهن مع الشمس جنباً إلى جنب حقَهن في الاحترام والتقدير.
تخرج كل امرأة من هذه التجربة كالخارج من عملية بتر أحد أطرافه، بين ألم الفقد ونقص الجسد وصعوبة التأقلم.
وتؤلمها جراحها أكثر إذا كان زوجها مقاوماً، كلما رأت بندقيته يتيمة معطلة وعتاده حزيناً متكوماً، وكلما نادى المنادي أو اشتعلت المعركة، أو أزف النفير، وكلما لاح نصر أو تحققت أمنية.
مات زوجي في أيار البائس، قبل ذكرى النكبة بأربعة ايام، يوم مات زوجي -وأنا هنا كل زوجة- مات كل ما يعبر عن الزمن وتوقف الوقت في تلك اللحظة بالذات كان كل شيء قد انتهى، ماتت كل كتب التاريخ وأناشيد العروبة وشعارات المجد العريق..مات كل ما له علاقة بالأمل، بالنصر، وبالحياة..
لكن شيئاً ما غريباً ظلّ على قيد الحياة.. أنا!
تحت الرماد المتكوم بعد كل حريق هائل، لا تلبث أن تخرج عنقاء مستحيلة تنفض جناحيها وتمدهما للريح محلّقة إلى قمم النجاح، فهو ديدنها، وطبعها الذي جُبلت عليه، ومُكَوِّن دمها يوم خُلقت فلسطينية.
السبت، 12 مايو 2018
يوم مات زوجي
الأحد، 22 أبريل 2018
حسن وغفران
ذات صدفة في منزل والدي عثرت على ورقة مسطرة بحجو ورقة A4 قد أورثها الزمن اصفراراً، فتحتها فإذا بخط أبي مرسوماً بقلم أزرق، رسالة عمرها خمسة وثلاثون عاماً، كُتبت في بغداد وحُملت لعمّان ومرّت بالقدس، وصولاً إلى غزة لتستقر في يد أمي، فيها قطعة من التاريخ مخبأة بعناية ما إن فتحتها حتى عُرضت أمامي نابضة حيّة، بالصوت واللون والرائحة والإحساس، عندما أريتها لأبي قال:" لم يجرّب الحبَ من يعِش خفقة القلب مع صوت الورق، وحبسة الأنفاس مع رائحة المظروف، وسيَلان الدمع مع جرة القلم، كان حينها للذاكرة هيبة، وللانتظار لهفة، وللشوق معنى، وللتاريخ صندوق أثمن من الكنز جواهره رسائلُ هَرِمة".
لا يذكر أحدنا آخر مرة كتب فيها رسالة ورقية بخط يدوي، حملت معها في مظروفها قطرات من عرق يده، وعلامات سبّبوها الدموع المتساقطة على الحبر، وبعضاً من عطره المفضّل، بل إن الكثيرين لم يسبق لهم أن خاضوا هذه التجربة من قبل وقد فتحوا أعينهم على شاشة صغيرة مستطيلة تجعل العالم بين أيديهم، المسافات فيه بالنسبة لأحدهم لا تتعدّى السنتيمترات التي تفصل تلك الشاشة عن وجهه، والزمن فيه لا يستغرق أكثر من وقت طباعة الحروف.
في هذا الزمن يكاد يكون من المضحك أن يتواصل شخصان برسائل من ورق..فقد انقرضت تلك الرسائل التي شغلت الأدباء سنيناً عاكفين فيها على تاريخ وجمال وسيرة حياة، الرسائل التي تغنّى بها الشعراء وترنّم بها المغنّون وشكّلت واجهة الثقافة والتراث، الرسائل التي لوّعت العشاق وأثْرَت المؤلَّفات وزينت اقتباساتُها الخطب.
لكنها رغم ذلك لم تنقرض بالنسبة للجميع، لا زالت أجمل قصص الحب على وجه الأرض تعيش في رسائل، ولا زالت "غفران" تتبادل قلبها مع "حسن" منذ ثماني سنوات هي عمر خِطبتهما.
لم يجمع حسن سلامة وغفران الزامل سقفٌ واحد، ولم تتقابل أعينهما وجهاً لوجه، ولم تكن تعرف عنه سوى ما سمعه كل الفلسطينيين في نشرات الأخبار، أو قرأه بعضهم في كتابه الذي ألّفه في سنوات سجنه الأولى.
ام يجمعهما سوى الأسْر الذي عاشه كل منهما، وودّعه غفران ولا زال حسن يعاني أَشدَّه وأظلمَه!
لم يجمعهما سوى الخط الساحلي ذو المائة وعشرين كيلومتراً الممتد من "الخيمة" بالرملة بلدة حسن، إلى قيساريا بحيفا بلدة غفران، لم يجمعهما سوى خيمة اللجوء التي استوطنها أجداد غفران في نابلس، وضمّت عائلة حسن في خان يونس.
ثم جمعهما عقد "خطبة" لو شئنا الحديث عن قراره فسندخل متاهة مذهلة!
فقرّرا أن يجتمعا على الورق، أن يلتقيا بين السطور، أن يعيشا زمن الرسائل في عصر ال"واي فاي" ولم تكن رسائلهما تختلف عنهما في تحدّي السجن وكسر القضبان وهزيمة الظلم:
تكتب غفران كل أسبوع، فيحتجز السجان الظرف الورقي حانقاً، كيف له أن يسمح -في بقعة الموت الخاصة به- بمرور خطاب مُلغّمٍ بالحياة؟! قبل أن يحرره آخر ويبعثه لحبيب في عزله الانفرادي.
ثم تصلها رسالة حسن بعد شهر أو شهرين، وقد نجحَت في حمل روحه وعقله وقلبه خارج الأسوار وخلف الأقفال.
هناك التقيا: في مساحة الصمت بين العين والورقة، في مسافة الفراغ بين الكلمة والأخرى، في اللحظة الفاصلة بين الدمعة والابتسامة، وفي النشوة المقسومة بين الكتابة والقراءة.
هناك تبادلا كل شيء: لونيهما وطعاميهما المفضّلين وآراءهما في الفكر والسياسية، أسماء أبنائهما المنتظرِين وآخر الأخبار والأحداث، مشاعرهما ومكنونات نفسيهما وأوراد القرآن والصيام والقيام، تفاصيل حياة لا تحدها حدود ولا تمنعها حواجز، محبوسة كالجميلة النائمة بين ثلاثين وستين صفحة.
لو لم يكن للرسائل من ميراث سوى ما احتبسته من دقات قلبَي حسن وغفران وزفراتهما لكفاها!
السلام عليكم ياعشاق هذه البلاد، أعييتم عدوكم حتى إنه لو خَلص إل طريقة يحبس بها قلوبكم عن النبض لما عدِمتم وسيلة لقهره وهزيمته، يا أشقاء الموت أبناء الحياة.. كيف لا، وبينكم أسرى لم يُعجزهم الاحتلال أن يبعثوا لأحبائهم حتى نُطَفهم!
هنا فلسطين..حيث يُكتب الحب.. وينجو الأمل.. وتُولد الحياة.
الثلاثاء، 17 أبريل 2018
داخل السجن الكبير وخارجه
للموتِ أحوالٌ وأنواع..ومواضِعُ نخْتبِرُ فيها الموتَ بمعنىً آخر..فبمقدارِ نقصِ مظاهرِ الحياة لدينا، تزدادُ مِساحةُ الموت فيها، وفي غزّة كل أنواع الموت التي عُرِفت، ولم تُعْرَف، فمن لم يدْفِنْهُ صاروخٌ تحت رُكامِ بيته، دُفِنَ حيّاً كل يومٍ بغُبارِ الذكرى لأحبّتِه الذين دَفنهم ذلك الصّاروخ ونجا هو، ومَنْ لم يمُتْ جوعاً ماتَ كُلّما رأى أصحابَ الكُروشِ المُتخمة على شاشاتِ الإعلام وهُم يبيعون جوعَهُ ليَزِيدوا تُخْمة، ومَن لم يفتِكْ به الجَهْلُ، تهاوى أمامَ الزّمنِ الذي يجْرِي بالعِلْمِ ولا ينتظِرُ أحداً، ليُدرك َ أن العلمَ "لو فِي الصّين" لكان أسْهَل منهُ خلْفَ الجِدار، ومن لم يقتُلْهُ المرَضُ قتلهُ المعبر!!
وللِحَقِّ فإن بعض الأوقاتِ تسْمَحُ لبعضِ الموتى بتذوقِ الحياة، فقلتُ كما قال تمِيم :" لرُبّما هي نعمةٌ"، غير َ أنها كانت في سياقِ موتٍ آخر من نوعٍ جديد، فمعاناُة المُحَاصرِ المَسْجُونِ داخلَ مِساحةٍ مُحدّدة، مقْمُوعاً مُحَجّماً، كمُعاناةِ الرّئةِ حين تُقَتَّرُ عليها كميّاتُ الهَواءِ: في اختناقٍ دائِم!
إن ذلكَ المَسْجُون، إذا أُطلِق سَراحُهُ تذوَّقَ الحُرّية، وبُعِثَ من بعد مَوتِه، و رأى من جمالِ الحياةِ التّي هي أدنى حقوق البشر، وربما البهائم، ما لاينالُه إلا في الأحلام، ومِن كَرامةِ العَيشِ ما لم يسْمَعْ عنه إلا في الشعارات المرفوعة في التّظاهُراتِ المُتضامنةِ مع موته، ومن إنسانِيّة الإنسانِ ما أنْساهُ أنه بشر..
هكذا يرى الخارج من غزة نفسه، ويراها.. لكن هذه الرؤية لا تكاد تخلو من منغّص، فهو بين أمرين: إما التحسّر على ماقضى من عمره تحت خطّ الآدمية، والغصّة على من تركهم هناك بعد أن سُمح له باللحاق بقطار البشر، وإمّا الإحساس بالذنب -ولو خفاء- إذا ترك لنفسه التمتع بتلك الحقوق، والانغماس في الثوب الجديد، فيورثه الأول هماً وحزناً جديداً، وغماً من نوع آخر، ويورثه الثاني غَصّة تُقحِم نفسها في كل لحظة جميلة.
لكن المنغّص الأكبر إذا عاد بعدَ ذلكَ ناكِصاً علَى عَقِبَيهِ لِيَقبَعَ فِي سِجْنِه من جديد..ليَمُوتَ بالمُقَارَنةِ أكثرَ مِمّا يَمُوتُ بالواقِع!!
لطالَما كانَتْ غزّةُ سِجْناً كَبيراً، لكنَّها صارتِ اليومَ مقبرةً ضخمة، يرى الناظِرُ سُكّانها أمواتاً غيرَ أنهُم أحياءٌ عندَ ربّهِم يُرْزَقون، ويظُنُّ أنهُم انقطعوا عنه، والحقيقةُ أنهم يَرَونه ويسمعُونهُ ويردّون عليه، وإذا تيقّنَ بجهلِهِم بالواقع وغيابِهِم عن العالَم، فوجِئ بزياراتِهِم في عالمِ الرُّؤى يشرَحُونَ الواقِع ويلومونَ على الماضِي، بل ويتنبّؤون بالمستقْبَل..
ف"إذا رأيتَ نُيُوبَ الليثِ بارِزَةً ** فلا تَظُنّنَ أنَ اللّيثَ يبْتَسِمُ!
إذا كان اللهُ لا يجمَعُ على عبْدٍ خَوْفَين، فإنّهُ أرحَمُ من أن يَجْمَعَ على أهلِ غزّةَ موتين، وإنّي لأرجو أن تكون موتةُ الذين مَضَوْا مجرّدَ شكْلٍ آخر من أشكالِ مَوتَتِهمُ الأولى لا يذوقون فيها عذاباً ولا ضنكاً..
يبدو لأهل هذه المدينة الموتى أنها تَلفِظ أنفاسها الأخيرة، ولا يخطئ المتفحّص في وجهها لونَها الشاحب، تتوالى عليها العلل واحدة تلو الأخرى، حتى إذا كان أمل الشفاء من السابقة، بعثرته اللاحقة، فيسيرون في شوارعها كالمخدرين، يُمضون حياتهم بشكل آلي، وقد يئسوا من أن يجيء عليهم حال خير من هذا الحال!
وإن كانت هذه المدينة الجَلِدة قد استسلمت للموت أخيراً، فإن موتها لن يأتي سهلاً، ولن يمرّ دون ضجيج، بل ستفاجِئ الجميع بـ"صحوة الموت" التي ستمكنها من أن تنقضَّ على كل من نسيها، تجاهلها، آذاها، آلمها، خانها، أو أسلمها، فترسل بهم إلى الجحيم، قبل أن ترحل! لأنها حينها لن يكون لديها ما تفكر فيه، أو ما تخسره..
وربما بعدها سيصحو مولود من بقاياها، ليجد العالم حوله أنقى.. وأجمل.
وإن كان من يعانون خارجها إحدى الغصتين: الألم أو الذنب قد شهدوا ذلك الموت وهذا الميلاد، فليحملوا ما تبقى معهم من رائحة هوائها، ولون ترابها، وصوت مآذنها، وليسترجعوا الذاكرة المهملة، ويستجمعوا الحكايات المعطلة، ويعودوا بها جميعاً إلى ذلك المولود، ليعيدوا بناء مدينة لم تزل كل صروف الدهر عاجزة عن محوها من التاريخ!
الجمعة، 5 مايو 2017
ماذا سأغني لأطفالي؟!
لم يكن عمري يتجاوز السنوات الثلاث حين كنت أغفو على صوت أمي وهي تغني لي "زهرة المدائن"، وأنام مباشرة بعد قولها:"الطفل في المغارة وأمه مريم وجهان يبكيان"، ولم أعرف يومها لِمَ يبكيان.
وبعد عام، كانت أمي تغني مع خالتي وهما تُعِدّان كعك العيد:" أحِنّ إلى خبز أمي وقهوة أمي وأعشق عمري لأني إذا مِتُّ أخجل من دمع أمي"، وتبكيان، ولَم أَدْرِ حينها لِم تبكيان!
ويوم العيد اصطحبتني أمي إلى حفل موسيقي لفرقة العاشقين وافتتحوا الحفل ب"يازريف الطول وقّف لاقولك رايح عالغربة وبلادك أحسنلك"، وكنت أسأل أمي: ماهي الغربة؟ فتَلْعَنُها وتقول: ما نحن فيه الآن، وتبكي، ولَم أعرف كذلك لِم تبكي.
وكان العاشقون يُكْمِلون الحفل وسط جمهور أعرف وجوهه الحزينة كلها، يرددون مع الفريق:" يا يُمّا في دَقّة ع بابنا، هاي دقة احبابنا، هاي دقة قوية، دقة فدائية" ولم أكن أعلم ما معنى "فدائية" ولماذا يدقون الباب.
ويكمل العاشقون والجمهور يزغرد معهم على أنغام "زغردي يا ام الجدايل زغردي، وزيّني فخر الأصايل بالودَع، وازرعي الحنة على الصدر النّدي، واربطي العصبة على كل الوجع"، يصمتون ثم يبدؤون من جديد "من سجن عكا طلعت جنازة، محمد جمجوم وفؤاد حجازي، جازي عليهم يا شعبي جازي، المندوب السامي وربعُه عموما"، ويبكون -يوم العيد- ولم أفهم لماذا يبكون.
وفي الخامسة من عمري دخلتُ المدرسة، وكانت أمي تذاكر لي دروسي وتدندن:" كتبنا تواريخ، حفظنا تواريخ، إجا التاريخ ضرَبْنا كَفّ".
هكذا كانت تمر السنون : بين ترنيمة أمي قبل النوم:" وقّفوني ع الحدود قال بَدُّنْ هويتي"، وغنائها باكية بعد رسالة وصلتها من جدتي تُخبرُها أن ابن الجيران استشهد :" رجع الخيّ ياعين لا تدمعيله، فوق اكتاف رفاقه ومحبّينه"، وترديدها مع خالتي وهما تُعدّان طعاماً رحمة عن روحه:" طلّت البارودة والسّبِع ماطلّ، يا بوز البارودة من دَمُّه مِبْتَلّ"، وبين صوت السيّاب في شريط الكاسيت وهو يُلقِي انشودته:" مطرٌ مطر..
اتعلمين أي حزن يبعث المطرْ
وكيف يشعر الوحيد فيه بالضّياعْ
مطرٌ مطر
وفي العراقِ جوع
في كل عام حين يُعْشِبُ الثّرى نجوع
ما مرّ عامٌ والعراق ليس فيه جوع"
وصوت جوليا الصّادح في أرجاء المنزل:" بنرفض نِحنا نموت، قولولُنْ راح نبقى، أرضك والبيوت، والشعب ال عَم يشقى، هاوإلا يا جْنُوبْ، ياحبيبي يا جنوب".
ثم صار لي إخوة صغار تغني لهم أمي أغانٍ أخرى، وكنت أسمعها وهي تترنم:" اشهد ياعالم علينا وع بيرت، اشهد ع الحرب الأهلية، والي ماشاف في الغربال يا بيروت، أعمى بعيون أمريكية".
وكبرْتُ، وكبرَتْ في عقلي أسئلة كثيرة: ماعلاقة الطفل الذي في المغارة وأمه مريم بالقدس؟ ولماذا يَلعنون الغربة؟ وكيف تكون أغنية "زغردي يا ام الجدايل" حزينة اللحن جداً هكذا رغم الزغاريد والجدائل؟ ولماذا تخرج الجنازة في عكّا من السجن؟ ومن هو المندوب السامي؟ وكيف يضرب التاريخ أحداً "كَفّ"؟ وماذا يعني أن يرجع الخَيّ أو تطل بارودة السبع دون أن يطل؟ ولم هو العراق جائعٌ مع كلِ موسمِ مطر؟ ومن هو "جْنوب" حبيب جوليا؟ ولماذا نغني لبيروت وللأعمى الذي لم أفهم لِمَ عيونه أمريكية؟.
وعاماً بعد عام، كنت أجد بعض الإجابات، وأعجز عن بعضها، لكنني كنت أتلقى كل الأغاني والأهازيج المتلاحقة في تلك الأعوام بذات الفهم العميق المستفسر عن كل شيء.
لقد كانت حينها الحياة بأحداثها المعقدة، وتاريخها المؤسف، وذكرياتها المؤلمة، كلها مدونة في عقولنا وقلوبنا على هيئة أغانٍ وأهازيج، وكانت لغة مشتركة يفهمها الجميع، تُترجِم مافي قُلوبهم وتصل بسهولة إلى غيرهم، فيتضامنون معاً ويغنون معاً كلٌّ لِحُزْن الآخر.
في غربتي -التي صِرْتُ اعرف معناها لاحقاً- في إحدى دول المغرب العربي، غنّينا للعراق، لبيروت، للجنوب اللبناني، لفلسطين، غنينا للحزن والأمل، الألم والفرح كلهم معاً، حتى لسراييفو -مع لطفي بوشناق- غنينا:" لا شيء هذا الخريف
سوى الحرب تدوي بصمت مخيف
وتسرق منك الخطى والرغيف"
وكانت مشاهد انتفاضة ٨٧ مسجّلة في أدمغتنا بشكل تلقائي بصوت "وين الملايين" و"ياحمام القدس نَوّح".
هذا هو الفن الذي كبرنا عليه، فتشربنا منه العمق والحب، تماماً كالحزن والأسى، وتضاعفَتْ معه أعمارنا أعواماً تخطينا فيها سذاجة الطفولة وسطحية الحياة.
واليوم -بعد أن صار لي أطفال- أحاول أن أغني لهم مثلما كانت تفعل أمي، فأُقَلّبُ صفحات الزمن، ولا أرى فيها ما يَسُدّ الرَّمَق، حتى أصِلَ إلى زمن "الفرتكة" و" المرجيحة" و"الطلقة الروسية" التي لم نسمع بها طوال عقود من الحروب التي لم تنتهِ!
وبغض النظر عن بعض المقطوعات الهادفة هنا وهناك، إلا أن الحالة العامة تبعث على الإحباط والاشمئزاز.
منذ ذلك الزمن لم يتغير في مآسينا شيء، بل زادت وتشعّبَتْ، وكَبُر حزننا وشاخ، غير أن إحساسنا بهم تضاءل واضمحل، وصار كُلٌّ "يُغَنّي على لَيلَاه"، ونسَوا أن "ليلى في العراق مريضة"، وفي الشام مريضة، وفي مصر مريضة، تنتظر الموت وهم يتراقصون لليلى أخرى غريبة تماماً!
لقد كانت تلك الترانيم في ذلك الزمان حالة عامة، لغة سائدة، يتبادلها الجميع، ويتفاعلون معها، يُعلّمونها أجيالهم فيرددها الصغار مع الكبار، ليكبروا على الحقيقة والإحساس الموهف العميق.
أما اليوم فلا أدري ماذا سأغني لأطفالي وقد صُدِمْتُ بالجواب بعد ثلاثة عقود: أنّه لم يتطور إحساسُنا الفني مثلما تطورت كوارثنا، بل تدهور ذاك بقدر ما تعاظمت هذه، فأعودُ إلى زمن أمي وأُعِيدُ الكَرّة من جديد!.