"مُرابطُون علَى أرْضِ الرّباط" لِفَتْرَةٍ طَوِيلَةٍ كانَ هذا شِعارَنا الذّي تَرَبّينَا علَيه وغُرِسَ فينا، وتَعَلّمْنَاهُ عِلْماً وعَملاً، وعلّمَنا أساتِذتُنا أن نُجَدّدَ نِيّةَ الرّباطِ كلَ يومٍ وليلة، كانَتْ ثمّةَ قوةٌ عظيمَةٌ في استِحْضارِ هذا المفهُوم، تقوّينا أمامَ كلِ الصُّعوُبات، وتُصبّرُنا على كلّ مكرُوه، وتزِيدُنا تجَذّراً في أرضنا، كيفَ لا ونحن نتَوسَّمُ أن نكُونَ من قصَدَهُم رسولُ اللهِ صلّى اللهُ علَيْهِ وسَلّم بقوله: " لا تزال طائفةٌ من أمّتي على الحقّ ظاهرين، لعدوهم قاهرين، لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ وَلا مَا أَصَابَهُمْ مِنْ لَأْوَاءَ حَتَّى يَأْتِيَهُمْ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَذَلِكَ" قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَأَيْنَ هُمْ؟ قَالَ: "بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ وَأَكْنَافِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ"
ولم يزَلْ مُنْذُ ذلكَ الحين يتَغرّبُ فينا الحق، ويتكاثَر عَلينا الأعداء، وتشتدُّ علينا اللّأواء، ويُؤذينَا من خالفونَا في النّفْسِ والمالِ والولَدِ، بل وفي الدّين! ومَع كُلّ مِحْنَةٍ تظهرُ حقيقَةُ الرّباطِ، وتزْدادُ المُجاهَدةُ للوصُولِ إِلَيْهِ والثّباتِ علَيهِ برِضىً وسعادة، وتتقلّص أعداد هذه الطّائِفة إيماناً أو عمَلاً..فكم مِنا حمَل هذا المَبْدَأ شعاراً؟ ثُمّ إذا ضاقَتْ ظَنَّها لا تُفْرَجُ! وكَمْ انزَلَقَتْ أيدِينا عن التمسُكِ بالرّباطِ مع كُلّ هزّةِ ابتلاء! فانفلَتْنا مِنْهُ رُوَيداً رُوَيداً رَغْمَ دُخُولِ الوَقْتِ الفِعْلِيِّ لتحقيقِه، وصارَتْ الهجرةُ والمغادرةُ أولى أُمنِياتنا، وأصْبَحَ المُكوثُ في أرضِ الرّباطِ إجباراً لا اختياراً، فضْلاً عن أن يكُونَ فِعلَ مُقاوَمة يُرْجى منه الأجرُ والثّواب..
لقد نسينَا في غَمْرَةِ الحياةِ القاسيةِ مفهُومَ الرّباط الحقيقيّ، وتذرّعنا بأنّهُ مامِنْ جهادٍ فِعْلِيٍّ نمارسُهُ ببقائنا مقموعينَ مُحاصرين تحتَ طائلةِ التّنكيل في أي وقتٍ من قِبل الاحتلال، مضطرّينَ للخَوف والتّحفُظ والمُوارَبة، في حين بإمكانِنا الجِهادُ بكل ما أوتينا لِنُصْرَةِ قضيّتِنا لو مُنِحنا حياةً آمنةً كريمة عل أيّة أرضٍ أخرى من أربابِ الحريات، لكنّنا في الحقيقة نخدعُ أنفسَنا قبل أن نخدع الآخَرين! فإن كُنّا ضِقنا ذرعاً بالبقاء على أرض الرّباط -مجرّد البقاء- فقد رسبنا في أول امتِحان..
بقاؤنا عل هذه الأرض جهادٌ من نوعٍ آخر أدْركناهُ حديثاً خاصّة مع موجة الرحيل الاختياري الجماعي التي تجتاح القطاع، هو "جهادُ المكوث"، وهو أول أنواعِ الجهاد، وآخرُها..أيسرُها، وأصعبُها في ذاتِ الوقت..فإذا فشلنا في اجتيازه، هل تُرانا ننجح في سواه؟؟!!
الثلاثاء، 1 نوفمبر 2016
جهاد المكوث
الاشتراك في:
تعليقات الرسالة (Atom)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق