الجمعة، 9 ديسمبر 2016

5 دقائق في السينيما: أنا وتايتنك

بعد عشرين عاماً من عرضه عام 1997م، شاهدت لأول مرة فيلم تايتنك الشهير هذا العام، ووقفت على عبقرية الفيلم التي أكسبته عشر جوائز أوسكار، وخمس جوائز غولدن غلوب، وغيرها الكثير؛ لقد عالج الفيلم مظاهر مجتمع كامل، وبيئة مفصّلة من خلال قصة استخدمت لتكون خطاً درامياً، لا محوراً موضوعياً كما يعتقد البعض ممن ينظر بسطحية إلى الفيلم، وينتقد "تفاهة القصة".
في تايتانك تكمن مفارقة الحياة الإنسانية العجيبة، حين يعلو وينجح ويتغطرس، ويظنّ أن نجاحه خالد وغير معصوم، فتصفعه الأقدار في بداية هذا للمجاح وتقلبه على عقبه، مناديةً: لست سوى كائن ضعيف يغرقه أبسط أخطاء الماكينة، وتلتهمه أقل ثورات الطبيعة!
هذا المتغطرس الذي يتعدى مهندس السفينة الذي سمح لنفسه أن يقول:" حتى الله لايستطيع إغراق تايتنك" ليمثل طبقة كاملة ممن يتعالون على أمثالهم من البشر، ويعتبرونهم درجة دنيا من المخلوقات، ذلك التبجح الذي جعله يهيأ لهم أنهم معجِزون خالدون منزهون ومكمن الفضائل كلها، رغم ما تكتنفه علاقاتهم من زيف ونفاق وتصنع وغيرة وأحقاد، أظهرها حبّ المال، وزيجات المصالح، ومنافسات التباهي، لتأتيهم كارثة الموت -وهي أبعد ما يتصورون- دون أن تعطيهم تفضيلاً وفقاً لمناصبهم أو أموالهم أو مسمياتهم أو علاقاتهم، لتمنحهم موتاً متساوياً مع خدمهم، دون مراسم، ولا تشييع، ولا حتى قبور!
ورغم محاولاتهم التضحية بتلك الفئة من الفقراء للنجاة بأنفسهم، لأنهم رأوها أحق بالعيش من سواها، إلا أنهم لم ينجوا جميعاً، إذ بلغت بهم الغطرسة ألا يحسبوا حساب قوارب النجاة العملية التي تكفي الجميع اعتماداً على صنعهم معجزة خارقة لن تحتاج معدات طوارئ، فغرقت في أول إبحار! وعندها ظهرت أنانية وجشع الفئة الأروستقراطية، وأصبح المال لا يساوي شيئاً، وأثمن الحلي لا تغني عن أحد، في حين ظهر إخلاص وإيثار البسطاء، وتمسكهم بما تربوا عليه من مبادئ.
لقد كانت التايتنك في حدّ ذاتها حادثاً مليئاً بالمفارقات والحكم والعجائب، وظهرت عبقرية المخرج -ومن قبله الكاتب- في بسط هذه الدروس والمظاهر جميعها من خلال قصة لطيفة، واستعراض ذكي داخل الحوارات، والأحداث، وأكملت الجمال مؤثرات بصرية احترافية ومبدعة، دمجت بين الهيكل الحقيقي الغارق، وخيال الدراما في إعادة إحيائه، وعمّقت التأثير المؤثرات الصوتية المتقنة، مع لمسات درامية فنية جعلت مشهد الغرق يحبس الأنفاس، ويلمس شغاف القلب.
فيلم تايتنك توجد غيره كثير من أعمال السينما المبدعة، لكنني رأيت فيه مثالاً للبساطة مع العمق، للاختصار مع التركيز، والروح مع الاحتراف، والمهنية مع الإبداع، وهكذا فقط يؤثر صناع السينيما في الجماهير.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق