ذات صدفة في منزل والدي عثرت على ورقة مسطرة بحجو ورقة A4 قد أورثها الزمن اصفراراً، فتحتها فإذا بخط أبي مرسوماً بقلم أزرق، رسالة عمرها خمسة وثلاثون عاماً، كُتبت في بغداد وحُملت لعمّان ومرّت بالقدس، وصولاً إلى غزة لتستقر في يد أمي، فيها قطعة من التاريخ مخبأة بعناية ما إن فتحتها حتى عُرضت أمامي نابضة حيّة، بالصوت واللون والرائحة والإحساس، عندما أريتها لأبي قال:" لم يجرّب الحبَ من يعِش خفقة القلب مع صوت الورق، وحبسة الأنفاس مع رائحة المظروف، وسيَلان الدمع مع جرة القلم، كان حينها للذاكرة هيبة، وللانتظار لهفة، وللشوق معنى، وللتاريخ صندوق أثمن من الكنز جواهره رسائلُ هَرِمة".
لا يذكر أحدنا آخر مرة كتب فيها رسالة ورقية بخط يدوي، حملت معها في مظروفها قطرات من عرق يده، وعلامات سبّبوها الدموع المتساقطة على الحبر، وبعضاً من عطره المفضّل، بل إن الكثيرين لم يسبق لهم أن خاضوا هذه التجربة من قبل وقد فتحوا أعينهم على شاشة صغيرة مستطيلة تجعل العالم بين أيديهم، المسافات فيه بالنسبة لأحدهم لا تتعدّى السنتيمترات التي تفصل تلك الشاشة عن وجهه، والزمن فيه لا يستغرق أكثر من وقت طباعة الحروف.
في هذا الزمن يكاد يكون من المضحك أن يتواصل شخصان برسائل من ورق..فقد انقرضت تلك الرسائل التي شغلت الأدباء سنيناً عاكفين فيها على تاريخ وجمال وسيرة حياة، الرسائل التي تغنّى بها الشعراء وترنّم بها المغنّون وشكّلت واجهة الثقافة والتراث، الرسائل التي لوّعت العشاق وأثْرَت المؤلَّفات وزينت اقتباساتُها الخطب.
لكنها رغم ذلك لم تنقرض بالنسبة للجميع، لا زالت أجمل قصص الحب على وجه الأرض تعيش في رسائل، ولا زالت "غفران" تتبادل قلبها مع "حسن" منذ ثماني سنوات هي عمر خِطبتهما.
لم يجمع حسن سلامة وغفران الزامل سقفٌ واحد، ولم تتقابل أعينهما وجهاً لوجه، ولم تكن تعرف عنه سوى ما سمعه كل الفلسطينيين في نشرات الأخبار، أو قرأه بعضهم في كتابه الذي ألّفه في سنوات سجنه الأولى.
ام يجمعهما سوى الأسْر الذي عاشه كل منهما، وودّعه غفران ولا زال حسن يعاني أَشدَّه وأظلمَه!
لم يجمعهما سوى الخط الساحلي ذو المائة وعشرين كيلومتراً الممتد من "الخيمة" بالرملة بلدة حسن، إلى قيساريا بحيفا بلدة غفران، لم يجمعهما سوى خيمة اللجوء التي استوطنها أجداد غفران في نابلس، وضمّت عائلة حسن في خان يونس.
ثم جمعهما عقد "خطبة" لو شئنا الحديث عن قراره فسندخل متاهة مذهلة!
فقرّرا أن يجتمعا على الورق، أن يلتقيا بين السطور، أن يعيشا زمن الرسائل في عصر ال"واي فاي" ولم تكن رسائلهما تختلف عنهما في تحدّي السجن وكسر القضبان وهزيمة الظلم:
تكتب غفران كل أسبوع، فيحتجز السجان الظرف الورقي حانقاً، كيف له أن يسمح -في بقعة الموت الخاصة به- بمرور خطاب مُلغّمٍ بالحياة؟! قبل أن يحرره آخر ويبعثه لحبيب في عزله الانفرادي.
ثم تصلها رسالة حسن بعد شهر أو شهرين، وقد نجحَت في حمل روحه وعقله وقلبه خارج الأسوار وخلف الأقفال.
هناك التقيا: في مساحة الصمت بين العين والورقة، في مسافة الفراغ بين الكلمة والأخرى، في اللحظة الفاصلة بين الدمعة والابتسامة، وفي النشوة المقسومة بين الكتابة والقراءة.
هناك تبادلا كل شيء: لونيهما وطعاميهما المفضّلين وآراءهما في الفكر والسياسية، أسماء أبنائهما المنتظرِين وآخر الأخبار والأحداث، مشاعرهما ومكنونات نفسيهما وأوراد القرآن والصيام والقيام، تفاصيل حياة لا تحدها حدود ولا تمنعها حواجز، محبوسة كالجميلة النائمة بين ثلاثين وستين صفحة.
لو لم يكن للرسائل من ميراث سوى ما احتبسته من دقات قلبَي حسن وغفران وزفراتهما لكفاها!
السلام عليكم ياعشاق هذه البلاد، أعييتم عدوكم حتى إنه لو خَلص إل طريقة يحبس بها قلوبكم عن النبض لما عدِمتم وسيلة لقهره وهزيمته، يا أشقاء الموت أبناء الحياة.. كيف لا، وبينكم أسرى لم يُعجزهم الاحتلال أن يبعثوا لأحبائهم حتى نُطَفهم!
هنا فلسطين..حيث يُكتب الحب.. وينجو الأمل.. وتُولد الحياة.
الأحد، 22 أبريل 2018
حسن وغفران
الثلاثاء، 17 أبريل 2018
داخل السجن الكبير وخارجه
للموتِ أحوالٌ وأنواع..ومواضِعُ نخْتبِرُ فيها الموتَ بمعنىً آخر..فبمقدارِ نقصِ مظاهرِ الحياة لدينا، تزدادُ مِساحةُ الموت فيها، وفي غزّة كل أنواع الموت التي عُرِفت، ولم تُعْرَف، فمن لم يدْفِنْهُ صاروخٌ تحت رُكامِ بيته، دُفِنَ حيّاً كل يومٍ بغُبارِ الذكرى لأحبّتِه الذين دَفنهم ذلك الصّاروخ ونجا هو، ومَنْ لم يمُتْ جوعاً ماتَ كُلّما رأى أصحابَ الكُروشِ المُتخمة على شاشاتِ الإعلام وهُم يبيعون جوعَهُ ليَزِيدوا تُخْمة، ومَن لم يفتِكْ به الجَهْلُ، تهاوى أمامَ الزّمنِ الذي يجْرِي بالعِلْمِ ولا ينتظِرُ أحداً، ليُدرك َ أن العلمَ "لو فِي الصّين" لكان أسْهَل منهُ خلْفَ الجِدار، ومن لم يقتُلْهُ المرَضُ قتلهُ المعبر!!
وللِحَقِّ فإن بعض الأوقاتِ تسْمَحُ لبعضِ الموتى بتذوقِ الحياة، فقلتُ كما قال تمِيم :" لرُبّما هي نعمةٌ"، غير َ أنها كانت في سياقِ موتٍ آخر من نوعٍ جديد، فمعاناُة المُحَاصرِ المَسْجُونِ داخلَ مِساحةٍ مُحدّدة، مقْمُوعاً مُحَجّماً، كمُعاناةِ الرّئةِ حين تُقَتَّرُ عليها كميّاتُ الهَواءِ: في اختناقٍ دائِم!
إن ذلكَ المَسْجُون، إذا أُطلِق سَراحُهُ تذوَّقَ الحُرّية، وبُعِثَ من بعد مَوتِه، و رأى من جمالِ الحياةِ التّي هي أدنى حقوق البشر، وربما البهائم، ما لاينالُه إلا في الأحلام، ومِن كَرامةِ العَيشِ ما لم يسْمَعْ عنه إلا في الشعارات المرفوعة في التّظاهُراتِ المُتضامنةِ مع موته، ومن إنسانِيّة الإنسانِ ما أنْساهُ أنه بشر..
هكذا يرى الخارج من غزة نفسه، ويراها.. لكن هذه الرؤية لا تكاد تخلو من منغّص، فهو بين أمرين: إما التحسّر على ماقضى من عمره تحت خطّ الآدمية، والغصّة على من تركهم هناك بعد أن سُمح له باللحاق بقطار البشر، وإمّا الإحساس بالذنب -ولو خفاء- إذا ترك لنفسه التمتع بتلك الحقوق، والانغماس في الثوب الجديد، فيورثه الأول هماً وحزناً جديداً، وغماً من نوع آخر، ويورثه الثاني غَصّة تُقحِم نفسها في كل لحظة جميلة.
لكن المنغّص الأكبر إذا عاد بعدَ ذلكَ ناكِصاً علَى عَقِبَيهِ لِيَقبَعَ فِي سِجْنِه من جديد..ليَمُوتَ بالمُقَارَنةِ أكثرَ مِمّا يَمُوتُ بالواقِع!!
لطالَما كانَتْ غزّةُ سِجْناً كَبيراً، لكنَّها صارتِ اليومَ مقبرةً ضخمة، يرى الناظِرُ سُكّانها أمواتاً غيرَ أنهُم أحياءٌ عندَ ربّهِم يُرْزَقون، ويظُنُّ أنهُم انقطعوا عنه، والحقيقةُ أنهم يَرَونه ويسمعُونهُ ويردّون عليه، وإذا تيقّنَ بجهلِهِم بالواقع وغيابِهِم عن العالَم، فوجِئ بزياراتِهِم في عالمِ الرُّؤى يشرَحُونَ الواقِع ويلومونَ على الماضِي، بل ويتنبّؤون بالمستقْبَل..
ف"إذا رأيتَ نُيُوبَ الليثِ بارِزَةً ** فلا تَظُنّنَ أنَ اللّيثَ يبْتَسِمُ!
إذا كان اللهُ لا يجمَعُ على عبْدٍ خَوْفَين، فإنّهُ أرحَمُ من أن يَجْمَعَ على أهلِ غزّةَ موتين، وإنّي لأرجو أن تكون موتةُ الذين مَضَوْا مجرّدَ شكْلٍ آخر من أشكالِ مَوتَتِهمُ الأولى لا يذوقون فيها عذاباً ولا ضنكاً..
يبدو لأهل هذه المدينة الموتى أنها تَلفِظ أنفاسها الأخيرة، ولا يخطئ المتفحّص في وجهها لونَها الشاحب، تتوالى عليها العلل واحدة تلو الأخرى، حتى إذا كان أمل الشفاء من السابقة، بعثرته اللاحقة، فيسيرون في شوارعها كالمخدرين، يُمضون حياتهم بشكل آلي، وقد يئسوا من أن يجيء عليهم حال خير من هذا الحال!
وإن كانت هذه المدينة الجَلِدة قد استسلمت للموت أخيراً، فإن موتها لن يأتي سهلاً، ولن يمرّ دون ضجيج، بل ستفاجِئ الجميع بـ"صحوة الموت" التي ستمكنها من أن تنقضَّ على كل من نسيها، تجاهلها، آذاها، آلمها، خانها، أو أسلمها، فترسل بهم إلى الجحيم، قبل أن ترحل! لأنها حينها لن يكون لديها ما تفكر فيه، أو ما تخسره..
وربما بعدها سيصحو مولود من بقاياها، ليجد العالم حوله أنقى.. وأجمل.
وإن كان من يعانون خارجها إحدى الغصتين: الألم أو الذنب قد شهدوا ذلك الموت وهذا الميلاد، فليحملوا ما تبقى معهم من رائحة هوائها، ولون ترابها، وصوت مآذنها، وليسترجعوا الذاكرة المهملة، ويستجمعوا الحكايات المعطلة، ويعودوا بها جميعاً إلى ذلك المولود، ليعيدوا بناء مدينة لم تزل كل صروف الدهر عاجزة عن محوها من التاريخ!
الجمعة، 5 مايو 2017
ماذا سأغني لأطفالي؟!
لم يكن عمري يتجاوز السنوات الثلاث حين كنت أغفو على صوت أمي وهي تغني لي "زهرة المدائن"، وأنام مباشرة بعد قولها:"الطفل في المغارة وأمه مريم وجهان يبكيان"، ولم أعرف يومها لِمَ يبكيان.
وبعد عام، كانت أمي تغني مع خالتي وهما تُعِدّان كعك العيد:" أحِنّ إلى خبز أمي وقهوة أمي وأعشق عمري لأني إذا مِتُّ أخجل من دمع أمي"، وتبكيان، ولَم أَدْرِ حينها لِم تبكيان!
ويوم العيد اصطحبتني أمي إلى حفل موسيقي لفرقة العاشقين وافتتحوا الحفل ب"يازريف الطول وقّف لاقولك رايح عالغربة وبلادك أحسنلك"، وكنت أسأل أمي: ماهي الغربة؟ فتَلْعَنُها وتقول: ما نحن فيه الآن، وتبكي، ولَم أعرف كذلك لِم تبكي.
وكان العاشقون يُكْمِلون الحفل وسط جمهور أعرف وجوهه الحزينة كلها، يرددون مع الفريق:" يا يُمّا في دَقّة ع بابنا، هاي دقة احبابنا، هاي دقة قوية، دقة فدائية" ولم أكن أعلم ما معنى "فدائية" ولماذا يدقون الباب.
ويكمل العاشقون والجمهور يزغرد معهم على أنغام "زغردي يا ام الجدايل زغردي، وزيّني فخر الأصايل بالودَع، وازرعي الحنة على الصدر النّدي، واربطي العصبة على كل الوجع"، يصمتون ثم يبدؤون من جديد "من سجن عكا طلعت جنازة، محمد جمجوم وفؤاد حجازي، جازي عليهم يا شعبي جازي، المندوب السامي وربعُه عموما"، ويبكون -يوم العيد- ولم أفهم لماذا يبكون.
وفي الخامسة من عمري دخلتُ المدرسة، وكانت أمي تذاكر لي دروسي وتدندن:" كتبنا تواريخ، حفظنا تواريخ، إجا التاريخ ضرَبْنا كَفّ".
هكذا كانت تمر السنون : بين ترنيمة أمي قبل النوم:" وقّفوني ع الحدود قال بَدُّنْ هويتي"، وغنائها باكية بعد رسالة وصلتها من جدتي تُخبرُها أن ابن الجيران استشهد :" رجع الخيّ ياعين لا تدمعيله، فوق اكتاف رفاقه ومحبّينه"، وترديدها مع خالتي وهما تُعدّان طعاماً رحمة عن روحه:" طلّت البارودة والسّبِع ماطلّ، يا بوز البارودة من دَمُّه مِبْتَلّ"، وبين صوت السيّاب في شريط الكاسيت وهو يُلقِي انشودته:" مطرٌ مطر..
اتعلمين أي حزن يبعث المطرْ
وكيف يشعر الوحيد فيه بالضّياعْ
مطرٌ مطر
وفي العراقِ جوع
في كل عام حين يُعْشِبُ الثّرى نجوع
ما مرّ عامٌ والعراق ليس فيه جوع"
وصوت جوليا الصّادح في أرجاء المنزل:" بنرفض نِحنا نموت، قولولُنْ راح نبقى، أرضك والبيوت، والشعب ال عَم يشقى، هاوإلا يا جْنُوبْ، ياحبيبي يا جنوب".
ثم صار لي إخوة صغار تغني لهم أمي أغانٍ أخرى، وكنت أسمعها وهي تترنم:" اشهد ياعالم علينا وع بيرت، اشهد ع الحرب الأهلية، والي ماشاف في الغربال يا بيروت، أعمى بعيون أمريكية".
وكبرْتُ، وكبرَتْ في عقلي أسئلة كثيرة: ماعلاقة الطفل الذي في المغارة وأمه مريم بالقدس؟ ولماذا يَلعنون الغربة؟ وكيف تكون أغنية "زغردي يا ام الجدايل" حزينة اللحن جداً هكذا رغم الزغاريد والجدائل؟ ولماذا تخرج الجنازة في عكّا من السجن؟ ومن هو المندوب السامي؟ وكيف يضرب التاريخ أحداً "كَفّ"؟ وماذا يعني أن يرجع الخَيّ أو تطل بارودة السبع دون أن يطل؟ ولم هو العراق جائعٌ مع كلِ موسمِ مطر؟ ومن هو "جْنوب" حبيب جوليا؟ ولماذا نغني لبيروت وللأعمى الذي لم أفهم لِمَ عيونه أمريكية؟.
وعاماً بعد عام، كنت أجد بعض الإجابات، وأعجز عن بعضها، لكنني كنت أتلقى كل الأغاني والأهازيج المتلاحقة في تلك الأعوام بذات الفهم العميق المستفسر عن كل شيء.
لقد كانت حينها الحياة بأحداثها المعقدة، وتاريخها المؤسف، وذكرياتها المؤلمة، كلها مدونة في عقولنا وقلوبنا على هيئة أغانٍ وأهازيج، وكانت لغة مشتركة يفهمها الجميع، تُترجِم مافي قُلوبهم وتصل بسهولة إلى غيرهم، فيتضامنون معاً ويغنون معاً كلٌّ لِحُزْن الآخر.
في غربتي -التي صِرْتُ اعرف معناها لاحقاً- في إحدى دول المغرب العربي، غنّينا للعراق، لبيروت، للجنوب اللبناني، لفلسطين، غنينا للحزن والأمل، الألم والفرح كلهم معاً، حتى لسراييفو -مع لطفي بوشناق- غنينا:" لا شيء هذا الخريف
سوى الحرب تدوي بصمت مخيف
وتسرق منك الخطى والرغيف"
وكانت مشاهد انتفاضة ٨٧ مسجّلة في أدمغتنا بشكل تلقائي بصوت "وين الملايين" و"ياحمام القدس نَوّح".
هذا هو الفن الذي كبرنا عليه، فتشربنا منه العمق والحب، تماماً كالحزن والأسى، وتضاعفَتْ معه أعمارنا أعواماً تخطينا فيها سذاجة الطفولة وسطحية الحياة.
واليوم -بعد أن صار لي أطفال- أحاول أن أغني لهم مثلما كانت تفعل أمي، فأُقَلّبُ صفحات الزمن، ولا أرى فيها ما يَسُدّ الرَّمَق، حتى أصِلَ إلى زمن "الفرتكة" و" المرجيحة" و"الطلقة الروسية" التي لم نسمع بها طوال عقود من الحروب التي لم تنتهِ!
وبغض النظر عن بعض المقطوعات الهادفة هنا وهناك، إلا أن الحالة العامة تبعث على الإحباط والاشمئزاز.
منذ ذلك الزمن لم يتغير في مآسينا شيء، بل زادت وتشعّبَتْ، وكَبُر حزننا وشاخ، غير أن إحساسنا بهم تضاءل واضمحل، وصار كُلٌّ "يُغَنّي على لَيلَاه"، ونسَوا أن "ليلى في العراق مريضة"، وفي الشام مريضة، وفي مصر مريضة، تنتظر الموت وهم يتراقصون لليلى أخرى غريبة تماماً!
لقد كانت تلك الترانيم في ذلك الزمان حالة عامة، لغة سائدة، يتبادلها الجميع، ويتفاعلون معها، يُعلّمونها أجيالهم فيرددها الصغار مع الكبار، ليكبروا على الحقيقة والإحساس الموهف العميق.
أما اليوم فلا أدري ماذا سأغني لأطفالي وقد صُدِمْتُ بالجواب بعد ثلاثة عقود: أنّه لم يتطور إحساسُنا الفني مثلما تطورت كوارثنا، بل تدهور ذاك بقدر ما تعاظمت هذه، فأعودُ إلى زمن أمي وأُعِيدُ الكَرّة من جديد!.
الجمعة، 10 فبراير 2017
غزة ومفارقة الحرب
المشهد الأول
قصفٌ هنا، وقنبلةٌ هناك، ارتجاحية مرة، وضوئية أخرى، استهدافات حقيقية أو بالونات هوائية، احتلت سماء غزة يوماً أو بضع يوم، لكنّها أعادت إلى ذهنها أياماً طوالاً من العذاب، وألقت حجراً في بركة الذكريات الأليمة التي تحاول الإبقاء عليها راكدة دون جدوى، شبحٌ حرب جديدة بدأ يلوح في أفق التخمينات، كلمة من ثلاث حروف يتداولها المحللون ووسائل الإعلام ونشطاء الإنترنت، بلا غضاضة، وهي ذاتها الحروف الثلاثة التي لا يجرؤ الكثيرون على لفظها، أو حتى إمرارها على قلوبهم، من هول ما رءوا من تتابعها عليهم، حتى منحتهم عن كل حرف حرباً!
تنجلي كل حرب عن غزة مثقلة بجراحها، متخمة بقبور أبنائها، بالية الجسد، مهترئة الروح، لا يعوّض الحصار ما فقد، ولا يرمم ما هدم، ولا يسمح ليدٍ تمتد لتمسح دمعها، أو تطبب جرحها، وكلما ضاقت السبل بجنرالات الاحتلال روحوا عن أنفسهم بحرب يمرنون فيها جنودهم، ويجربون ترسانتهم ويحصدون أصواتاً جديدة يوارون بها سوءة فشلهم.
حربٌ أخرى رابعة وستتخرج غزة من جامعة الحروب في عهد الحصار وحده، تلك المدينة التي مساحتها أصغر من أن ترى على الخريطة، وشهدت حروباً عددها يفوق عدد حروب العالم الكبرى مجتمعة، وعاش عجائزها -الذين كتب لهم البقاء إلى اليوم- ستة حروب، فقدوا في كل منها عزيزاً أو أكثر، وجددوا الدمع في كل مرة مضاعفاً عن سابقتها، حتى اختلطت عليهم الحروب وسنواتها وأعدادها، فأرّخوها بأسماء من فقدوا فيها!
توقظ كلمة الحرب معها القصص التي لا تحصى التي رويت عن أهوال الرحى الطاحنة، والحكايا الأكثر التي دفنت تحت الركام، وأمواتاً دفنوا في قبور مجهولة، والبعض الذين دفن ما وجد من أجزائهم، وغيرهم الذين لم يدفنوا أصلاً، وآخرين في حكم المجهول، لا يعرف لهم حال إلى اليوم، فتبعث مع كل ذلك دموع الخوف والرجاء من مآقي الذين لا زالت جراحهم تنزف.
يعلم أهل غزة أن الحرب لم تضع أوزارها، وأن بقيتها تابعة لا محالة لكنّهم يتمنون ألا تأتي هذه البقية وهم على قيد الحياة.
ارحموا قلب غزة المتآكل، ولا تطرقوه كل وهلة بذكر الحرب، فلم يعد فيه إلا بقية من تماسك تدخره للأيام السود التي قد تأتي، ولا تمهدوا لها خبر قدومها، فهي مدينة يؤمن أهلها جداً بمثلهم الشعبي القائل "وقوع البلا ولا انتظاره"!
المشهد الثاني
لا تحب غزة الحرب ولا تتمناها، لكنها لو وقعت، قامت من مرقدها، وربطت عصابة الأهبة، وشدت على الجراح، وتسلحت بعظام الشهداء، وزفرت في وجه الغزاة لهيب المعاناة، وأطلقت عليه دموع القهر، فإنها لم يعد لديها ما تخسره، سقطت كل الأسماء من قاموس الفخر العربي المتآكل، ولم يعد لعربي متسع من حزن ليجيب صرخاتها، فقد باتت ليلتها تبكيهم قبل أن تبكي نفسها، فوفرت صوتها لتنادي به أبناءها المخلصين الذين ولدوا في الحروب، وترعرعوا في الحصار، وشبوا في الظلام، واتخذوا باطن الأرض مسكناً، والبندقية خليلة، فقهرت بهم أعتى جيوش الظلم، وقلبت سحرهم على كبيرهم الذي علمهم السحر، حين ألقت بأبنائها في اليم ولم تحزن، لأن الله أوحى إليها أنه رادهم إليها، أو جاعلهم من المصطفين في جنان النعيم، فأغرقوا الطغاة في أرض الطهر التي لا تقبل النجس، حتى ألقوا عصيّهم هاربين وصاحوا إن هذا لسحر مبين.
في كل مرة تودع فيها غزة أبناءها يصبح فؤادها فارغاً، لكن الله يربط على قلبها، ويمنحها قوة جديدة، ويقيناً راسخاً، ويمدها بمدد من أجيال لا تخشى حياة لا تشبه الحياة، ولا تبالي بالطفولة التائهة والشباب البالي، أجيال تربوا على التضحية لأجل بلاد لم يروها، والموت لأجل القدس التي لم يزوروها، وأقسموا يمين العودة لأرض لم يعيشوا فيها، وتحرير فلسطين التي لم يسمعوا عنها سوى في حكايات أجدادهم.
أجيال تهزأ بالحرب، وتستخف بالجيوش، ويجمعها الصاروخ الساقط حوله بدلاً من أن يفرقها، أجيال تعتبر الحياة تحدياً لا تقبل خسرانه، ومدرسة تعلم من خلالها العالم أن العزة والكرامة شيءٌ لا يقدر بالمال، ولا يقاس بالسنوات ولا بالثروات، ولا يقف في وجه ثورانه شيء أياً كان.
احشدوا جيشكم لغزة العصية، فلن تجدوا فيها سوى الهزيمة، ولن تزال تحيا طالما يلاعب موج البحر رمال شواطئها، فيداويها ويحييها، ويعطيها أملاً وسلاماً حمله من شواطئ حيفا ويافا وعكا والمجدل، وألقاه على وجهها علّه يرتد بصيراً.
السبت، 21 يناير 2017
الانفصام "الأزرق"!
يُعرّفُ علم النفس الانفصام (أو الشيزوفرينيا) بأنه: اضطراب نفسي يتسِم بسلوك اجتماعي غير طبيعي وفشل في تمييز الواقع. لأن الشخص المصاب بهذه الحالة المرضية يختلط لديه الواقع بالوهم، والظن بالحقيقة.
وإن كانت هذه الحالة قليلة الشيوع مرضيّاً، إلا أنها منتشرة جداً عملياً، كيف؟
إن الكثير من البشر يصابون بحالة سوء فهم الواقع، وفهم الأشخاص الذين يمثلونه، فيعيشون بأحد مبدئين: إما أن الناس من حولهم فاسدون مفسدون أشرار، تجب مقاطعتهم وعدم الثقة بهم مطلقاً، وبالتالي معاملتهم بنفور كالمجرمين، أو أنهم رعاع تافهون لا يساوون ولا يفقهون شيئاً، وبالتالي معاملتهم بتعالٍ وتغطرس وفوقية، وهم -أي المنفصمون- يعتبرون أنفسهم ملائكة في الحالة الأولى، وصفوة المجتمع في الحالة الثانية! وهم في هذه الحالة يعيشون في عالم الوهم منفصلين عن الواقع، وعمن فيه، مصطدمين بهم انكساراً ومظلومية، أو تجبّراً وظلماً.
وقد تطورت حالات الانفصام الاجتماعي -كما أسميه- وتوسّعت حتى تعدّت النوعين المذكورين، وصارت سمة شائعة يمارسها الناس خاصتهم كعامتهم، كبيرهم كصغيرهم، مثقفهم كجاهلهم، ووجبة يومية يتناولونها ويتبادلونها بلا إحساس بالمرض، أو قصد للطبيب، أو طلب للدواء، في تجمعات كبيرة وتزايد مستمر.. إنه "الانفصام الأزرق"!
فعلى صفحات التواصل الاجتماعي، تجد الفاجر تقيّاً، والمجرم قاضياً، والفاشل باحثاً، والعدو صديقاً.. ولعل هؤلاء من حالات الفصام الواضحة التي تتميز بسهولة، وتعرف بسرعة، طِبقاً لمشاهدات الواقع، أو النقل عن مشاهديه.
أما النوع الآخر من "المُنفصِمين الزُرْق" فأقل وضوحاً، وأشدّ خطراً، وهؤلاء يحققون تماماً المعنى الحرفي للانفصام " الشيزوفرينيا"، إذ يعود أصل الكلمة إلى اليونانية، التي تعني: انقسام العقل، وصاغها لأول مرة العالِم يوجين بلولر في عام 1908. وإن كان بلولر يعني بوصفه ذاك مرضاً ذهنياً، فإنه أصاب -بعلم أو بغير علم- الوصف الدقيق لمرضى هذا الوباء السلوكي الخفي، الذي غزانا بعد قرن من الزمان!
إن انقسام العقل اليوم هو أحد أهم منتجات العالم الإلكتروني الوهمي، وخاصة صفحات التواصل، التي جعلت الناس من الطبقات الأكثر ثقافة، والأوفر تعليماً، والأعلى مناصباً من النوع السابق، يفكرون بغير ما يتبنونه من أفكار، ويقولون غير ما يعتقدونه، ويطبقون غير ما ينادون به.
كثيرة هي المبادئ التي أطلقها وتبناها على صفحات التواصل أشخاص لا يؤمنون بها، أو على الأقل بتطبيقها على أنفسهم، وما أوفر المسميات والمصطلحات والمفاهيم الشائكة التي لا يجدون غضاضة في التعاطي معها في العالم الافتراضي، ويحرمونها في عالم الواقع، وكم من أفكار ينشرها وينادي بها مفكرو الشبكات، يحظرونها في بيوتهم!! لا يمكن أن يكون مفهوم "انقسام العقل" أوضح منه هنا.
ولو تركنا جانباً قضية الصدق والواقعية والوضوح كمبادئ لا غنى عنها للأشخاص، فإننا لا يمكن أن نغفل أبداً قضية التربية لأجيال خرجت إلى الحياة وسط حالة الانفصام الفكري الشنيعة هذه، وقضية الثقة بين الشركاء والأزواج، حين تكون الحريات والعدالة والتعاون والحوار...إلخ شعارات وهمية هُم أول من يحرم منها، وقضية القدوة لأبناءٍ رأوا النور في ظل آباءٍ وأمهات لهم على مواقع التواصل ومنصات الفعاليات وجهٌ، وفي البيت وجهٌ آخر!