الخميس، 27 أكتوبر 2016

الموت بالمقارنة

للموتِ أحوالٌ وأنواع..ومواضِعُ نخْتبِرُ فيها الموتَ بمعنىً آخر..فبمقدارِ نقصِ مظاهرِ الحياة لدينا، تزدادُ مِساحةُ الموت فيها، وفي غزّة كل أنواع الموت التي عُرِفت، ولم تُعْرَف، فمن لم يدْفِنْهُ صاروخٌ تحت رُكامِ بيته، دُفِنَ حيّاً كل يومٍ بغُبارِ الذكرى لأحبّتِه الذين دَفنهم ذلك الصّاروخ ونجا هو، ومَنْ لم يمُتْ جوعاً ماتَ كُلّما رأى أصحابَ الكُروشِ المُتخمة على شاشاتِ الإعلام وهُم يبيعون جوعَهُ ليَزِيدوا تُخْمة، ومَن لم يفتِكْ به الجَهْلُ، تهاوى أمامَ الزّمنِ الذي يجْرِي بالعِلْمِ ولا ينتظِرُ أحداً، ليُدرك َ أن العلمَ "لو فِي الصّين" لكان أسْهَل منهُ خلْفَ الجِدار، ومن لم يقتُلْهُ المرَضُ قتلهُ المعبر!!
وللِحَقِّ فإن بعض الأوقاتِ تسْمَحُ لبعضِ الموتى بتذوقِ الحياة، فقلتُ كما قال تمِيم :" لرُبّما هي نعمةٌ"، غير َ أنها كانت في سياقِ موتٍ آخر من نوعٍ جديد، فمعاناُة المُحَاصرِ المَسْجُونِ داخلَ مِساحةٍ مُحدّدة، مقْمُوعاً مُحَجّماً، كمُعاناةِ الرّئةِ حين تُقَتَّرُ عليها كميّاتُ الهَواءِ: في اختناقٍ دائِم!
لكنّ المُعاناةَ الأكبرَ لِذلكَ المَسْجُونِ، إذا أُطلِق سَراحُهُ وتذوَّقَ الحُرّية، وبُعِثَ من بعد مَوتِه، و رأى من جمالِ الحياةِ التّي هي أدنى حقوق البشر، وربما البهائم، ما لاينالُه إلا في الأحلام، ومِن كَرامةِ العَيشِ ما لم يسْمَعْ عنه إلا في الشعارات المرفوعة في التّظاهُراتِ المُتضامنةِ مع موته، ومن إنسانِيّة الإنسانِ ما أنْساهُ أنه بشر.. ثُمَّ عاد بعدَ ذلكَ ناكِصاً علَى عَقِبَيهِ لِيَقبَعَ فِي سِجْنِه من جديد..ليَمُوتَ بالمُقَارَنةِ أكثرَ مِمّا يَمُوتُ بالواقِع!!
لطالَما كانَتْ غزّةُ سِجْناً كَبيراً، لكنَّها صارتِ اليومَ مقبرةً ضخمة، يرى الناظِرُ سُكّانها أمواتاً غيرَ أنهُم أحياءٌ عندَ ربّهِم يُرْزَقون، ويظُنُّ أنهُم انقطعوا عنه، والحقيقةُ أنهم يَرَونه ويسمعُونهُ ويردّون عليه، وإذا تيقّنَ بجهلِهِم بالواقع وغيابِهِم عن العالَم، فوجِئ بزياراتِهِم في عالمِ الرُّؤى يشرَحُونَ الواقِع ويلومونَ على الماضِي، بل ويتنبّؤون بالمستقْبَل.. ف"إذا رأيتَ نُيُوبَ الليثِ بارِزَةً**فلا تَظُنّنَ أنَ اللّيثَ يبْتَسِمُ!
إذا كان اللهُ لا يجمَعُ على عبْدٍ خَوْفَين، فإنّهُ أرحَمُ من أن يَجْمَعَ على أهلِ غزّةَ موتين، وإنّي لأرجو أن تكون موتةُ الذين مَضَوْا مجرّدَ شكْلٍ آخر من أشكالِ مَوتَتِهمُ الأولى لا يذوقون فيها عذاباً ولا ضنكاً..

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق