الخميس، 20 أكتوبر 2016

ثلاث صفحات من كتاب جدتي

(1) دَفتَرُ الذِّكرَياتْ
تحمِلُهُ أينَمَا حَلَّتْ أو ارتَحلَتْ، تحفَظُ صفَحاتِهِ بالرَّقْمِ والسَّطْر، وتعرِفُ تفاصيلَ كلِ فصلٍ من فصُولِه، تحتفِظُ في داخلِهِ بأسماءِ الأحبّة، وبيوتِ الجيران، طريقِ الفُرنِ، وصوتِ خَرِيرِ عينِ الماء، خريطَةِ القُرى المُجاورَة، وأماكنِ المَراعِي الخَصبة.
وتطالِعُ فيهِ كلَ يومٍ صُورَةَ بيتِها الفسيحِ ذِي "الحوش" الأمامِي المُتسّع، وظلَّ التُّوتَةِ والجُمّيزَةِ المزروعَتِينِ فيه، خُمَّ الدّجاجِ، وحظيرةَ الماعِز.
لا زالَتْ تفتَحُهُ كلَّ عصْر يومٍ عائليٍ حميمٍ لتروِيَ لنا منهُ قصّةَ بقراتِها اللاتِي هرَبْنَ منْها وهيَ ترعاهُنّ في قريَةِ أسدود ، ولم تتمكّن من إدراكِهنّ إلا في قريَةِ بَرْقَة، وقصَّةَ أخِيها الذّي خرجَ على جملِهِ إلى "البيّارة"، وصادفَتْهُ دوريّةٌ لجيشِ الاحتِلال، ولم يجِدُوا لهُ بعدها أثَراً سِوى الجَمَل، ولم يعرِفُوا إلى الآن ما إذا كانَ حيّاً أو ميّتاً.

ليسَ لجدَّتِي أيةُ دفاتِر، ولا تجيدُ القراءَةَ ولا الكتابة، لكنَّ ذاكرَتها أدقُّ من كلِ الدّفاتِر، وأجندَتَها أحفظُ من كلِ التّواريخ، ولم تزَلْ منذُ ذلكَ التاريخِ المشئومِ، الذّي يُصادِف هذَا الشَّهرَ قبلَ 66 عاماً تفتَحُ دفتَرَها كلَّ يوم، وتقلِّبُهُ لتتأَكَّدَ من أنّها لازَالتْ على قيدِ الحياة..
التّجاعيدُ التّي في جبهَتِها خريطةُ حزْنٍ له بدايةٌ ولم ينتهِ بعد، نظراتُ عيونِها الغائرةِ مسافرٌ تائهٌ لا يهتدي، تنهيدَتُها بركانٌ لم تزَلْ حِمَمُهُ تَغْلِي، لا تطفِئُه سوى مياهُ السّاقيةِ قُربَ "التّوتة" في قريتِها، دموعُها التّي تجرِي كوَادِيَيْنِ لم تجفِّفْ مياهَهُما سطوةُ الجفافِ، وعواملُ التّعرية، تتجدّدُ كلَّ صباحٍ معَ شعاعِ الشّمس، وتزدادُ مساءً بتدفُّقٍ عجيب حينَ تشاهِدُ "التّغريبة" وتقولُ بكلماتٍ مختنقةٍ متقطّعة: "يُومِنْ هاجَرْنا حسرة علينا، يا حَرِّ الدَّمِع عَمَى عِينِينا"..
لم تَعُد جدّتِي تذكُرُ النّاسَ، وأسماءَ الأقارب، وأحاديثَهم، ولم تعُدْ تحفظُ أسماءَ أبنائِها وأحفادِها بالتّرتيبِ الصّحيح، ولا تدرِكُ كم مرّة أعادتْ ذكرَ قصّةٍ ما، لكنّها تعرِفُ جيداً تفاصيلَ منزلِها في "البلد"، وأسماءَ الجيران، وحكاياتِ السّمر، وأمجادَ المُختار، وعُرْسَ ابنَ عمّها، وطريقَ الرّعي، وعددَ البقراتِ التّي كانت تمتلكُها، رائحةَ اللوزِ، والبرتقال، و"أوانَ الحصيدة"..تذكرُ كلَ شيءٍ كما البارحة، لقد ملأتْ هذه الذكرياتُ مساحاتِ ذاكرَتِها حتّى لم تدَع فيها فضاءً لأيّةِ ذكرياتٍ أخرى، أو أنّ كلَ ما هو حديثٌ لا يضاهِي تلكَ الذّكرياتِ أهميةً وروعة، فتضَعُها في الذّاكرةِ العشوائيّة التّي تتلاشَى بسرعة، أو ربّما لم يترُك لها الحزنُ والقهرُ مَكاناً إلا مَلأَه، فحشَتْ به ما تبقّى من لها من ذاكرة...

(2) حِكْمة
لا تحمل جدتي ومن معها من أشجار السنديان في وجُوهِهم تجاعيدَ السّنينَ وحدَها، ولا هُمومَ المآسِي فقطْ، فقد اكتَسَبُوا معَ هذهِ وتلكَ، خِبرةً عريقة، وحِكْمةً ناضِجة، لم تكُن لتُوجدَ لولا هذهِ السّنين وهذا العُمر.
سألتُ أحدَهُم وهُو يتأمّلُ البحرَ شارِداً: ما ذا يعنِي لكَ هذا البحرُ الكبيرُ يا جَدُّ؟، فَلَخّصَ ليَ الحياةَ بكلمتَين: "البحرُ ليسَ كالبَشَر، فهُو يعْرِفُ كيفَ يحفَظُ نفْسَه، ويعلَمُ أنّ لهُ حُدوداً لا يتعَدّاها"!
وهيَ، على مَقرُبَةٍ منهُ أتحَفَتْنِي بعبارَةٍ واحدة، ترجَمَت فيها تاريخَ شعبِها، وتطَوُّرَ المجتَمَعِ فيه، عبارةٌ واحدة، لا أدرِي كم كنتُ سأعيشُ لأتوَصّلَ إلى تحلِيلِها - إن وصلْتُ-، قالت وهيَ تكتسِي بمَسْحَةٍ من حسْرَةٍ وحُزْن: "عندمَا كُنّا في مُنَعّمِينَ في بلادِنا، كنّا نحْتَسِي كُوبَ الشّايِ مُحَلّىً بالسّعادة، وعندَ جارةٍ أو قريبة، نُتْبِعُ ذلكَ الكوبَ بدُعاءٍ جميل، ونقولُ :(دايْمَة)، لِتَدومَ سعادتُنا على أرضِنا، ولمَّا لمْ تَدُمْ هذهِ السعادةُ، وهُجّرْنا من أرضِنا، أصبَحنا نستبدِلُها بـ :(إن شا الله بنشرب في البلاد)، ثُمّ عندما طالَ الأمدُ ودَبَّ اليأسُ صِرنا نقولُ :(في الأفراح)، وعندمَا لم يعُدْ في هذهِ الدُّنيا شَيءٌ يُفْرِح، صارَتْ دعوَتُنا (في حجّك)،، "الآخرةُ أحسن مِن كُلِّ شي".!!

(3) شَبَه.. 
عرفتها منذ الصغر، فتاة رقيقة هادئة، مفعمة بالحساسية والشاعرية، متزنة الروح والنفس، حادة البصر والبصيرة، واثقة الصبر، لا تعبأ بالصخب، ولا تزعجها الوحدة، ابنة خالتي الوحيدة التي تسكن بصحبة أمها المطلقة مع جدتي، سألتها ذات يوم عن صفاتها تلك، قد تفاجأت من "التركيبة" التي نعتّها بها، فابتسمت وقالت: لا أفهم تماماً سبباً لتفسيرها، لكنني أظنه شيئاً واحداً فقط، بيت جدتي!
رافقتها إلى البيت، وأنا أعرفه: بيت في منطقة هادئة وسط عدة بساتين، وكنت دائماً أحسد جدتي على بيتها، أو بدقة أكبر: منتجعها!
نعم، لقد كان منتجعاً بكل ما تحمل الكلمة من معنى في زمن التكدس السكاني واللاحق المعماري، وفوضى المجمّعات الملوثة، بستان من أشجار مختلفة الثمار تبلغ مساحته دونمين، وهي ثروة عائلتها الوحيدة، "البيارة"، التي اختاروا إنشاء منزلهم المتواضع على أرضها حفاظاً عليها من استيلاء أصحاب البيارات المجاورة على قطع منها، كما شهدوا في محاولات سابقة باءت بالفشل، منزل متواضع لكنه ينم عن حس مرهف، تستغل النوافذ والشرفات في جدرانه المساحة العظمى، ويختبئ بين الأجمات ككوخ الأقزام السبعة، وسط ممرات صخرية بسيطة وأنيقة، ويقطع البستان جدول صغير جارٍ مصدره نبع ماء طبيعي، جعل له والد جدتي منذ زمن مجرىً صغيراً كنهر عريق، أضفى على المكان سحراً وجمالاً وروعة، كان يجب أن أجد وحدي إجابة كافية عن كل شيء، فقد وقعت في عشق تلك الحديقة السحرية التي تقطعك عن العالم إلا من أصوات الطيور وخرير الماء وعليل الهواء، ابتسمت وقالت: أظن أن هذا هو السرّ، قلت: بل هو سرّ الأسرار، إن بإمكاني أن أصبح "بولدير"، لو عشت في هذا المكان!
قبل أن أقضي اليوم على شرفتها الساحرة التي تطل مباشرة على الطبيعة الأم، حضرت جدتي من زيارة طارئة، وما إن دخلت حتى انهمكت في ترتيب جنتها، حيتني مبتسمة، ولم تترك ما بيدها، وعقّبت بجملة قصيرة مختصرها: إنني أجد في هذه الجنة الصغيرة بعض التعويض عن جنتي الكبيرة الرائعة التي تركتهافي البلاد.."الذكرى بتموتش يا بنتي، بس إشي أهون من إشي".

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق